تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
أحدها أنّه يهرم فيها الكبير ، والثاني أنّه يشيب فيها الصغير . والثالث أنّ المؤمن المجتهد في لزوم الحقّ والذبّ عنه يقاسي من ذلك الاختلاط شدائد ويكدح فيها حتّى يلقى ربّه ، وقيل : يد أب ويجتهد في الوصول إلى حقّه فلا يصل حتّى يموت ، ثمّ أشار بعد ذلك إلى ترجّح رأيه في اختيار القسم الثاني وهو الصبر وترك القيام في هذا الأمر بقوله : فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى وأليق بنظام الإسلام ، ووجه الترجيح ظاهر فإنّه لمّا كان مقصود عليّ عليه السّلام من هذه المنافسة إنّما هو إقامة الدين وإجراء قواعده على القانون المستقيم ونظام أمور الخلق كما هو المقصود من مقالات الشارعين صلوات اللَّه عليهم أجمعين ، وكانت صولته ومحاربته لمنافسيه في الإمامة بغير ناصر لا تثمر القيام به ومع ذلك ففيه انشعاب أمور المسلمين وتفرّق كلمتهم وثوران الفتن بينهم خصوصا ، والإسلام غضّ لم ترسخ محبّته في قلوب كثير الخلق ولم يطعموا حلاوته وفيهم منافقون والأعداء المشركون في غاية القوّة من كلّ الأقطار لا جرم لم يمكنه مع ملاحظة هذه الأحوال إثارة الحرب والمنازعة لأداء ذلك إلى ضدّ ما هو مقصود له بحركته ومحاربته ، وأمّا الصبر وترك المقاومة وإن كان فيه بحسب رأيه ما ذكره من اختلال الدين وأنّه لو كان هو القائم لهذا الأمر لكان انتظامه به أتمّ وقوامه أكمل إلَّا أنّه أقليّ بالنسبة إلى الاختلال الَّذي كان يحصل لو نازع في هذا الأمر وقام في طلبه وبعض الشرّ أهون من بعض . قوله فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى . الواو للحال والجملتان كنايتان عن شدّة ما أضمره من التأذّي والغبن بسبب سلبه ما يرى أنّه أولى به من غيره وما يعتقده من الخبط في الدين بيد غيره . قوله أرى تراثي نهبا قيل أراد بتراثه ما خلَّفه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله لابنته كفدك فإنّه يصدق عليها أنّه ميراثه لأنّ مال الزوجة في حكم مال الزوج ، والنهب إشارة إلى منع الخلفاء الثلاثة لها بالخبر الَّذي رواه أبو بكر نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه فهو صدقة ، وقيل : أراد منصب الخلافة ويصدق عليه لفظ الإرث كما صدق في قوله تعالى حكاية عن زكريّا عليه السّلام « يَرِثُنِي ويَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ » فإنّه أراد يرث علمي ومنصبي في نبوّته فكان اسم الميراث صادقا على ذلك .
شرح نهج البلاغة — صفحة 256 | ابن ميثم البحراني