تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
من خطبته فناوله كتابا ، فأقبل ينظر فيه ، قال له ابن عباس رضى اللَّه عنهما : يا أمير المؤمنين ، لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت فَقَال : هَيْهَات يَابْنَ عَبَّاسٍ ، تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ قال ابن عباس : فواللَّه ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السّلام بلغ منه حيث أراد أقول : اعلم أنّ هذه الخطبة وما في معناها ممّا يشتمل على شكايته عليه السّلام وتظلَّمه في أمر الإمامة هو محلّ الخلاف بين الشيعة وجماعة من مخالفيهم فإنّ جماعة من الشبعة ادّعوا أنّ هذه الخطبة وما في حكمها ممّا اشتمل عليه هذا الكتاب منقول على سبيل التواتر وجماعة من السنة بالغوا في إنكار ذلك حتّى قالوا : إنّه لم يصدر عن عليّ عليه السّلام شكاية في هذا الأمر ولا تظلَّم أصلا ، ومنهم من أنكر هذه الخطبة خاصّة ونسبها إلى السيّد الرضيّ والتصدّر للحكم في هذا الموضع هو محلّ التهمة للشارحين ، وأنا مجدّد لعهد اللَّه على أنّي لا أحكم في هذا الكلام إلَّا بما أجزم به أو يغلب على ظنّي أنّه من كلامه أو هو مقصوده عليه السّلام ، فأقول : إنّ كلّ واحد من الفريقين المذكورين خارج عن العدل أمّا المدّعون لتواتر هذه الألفاظ من الشيعة فإنّهم في طرف الإفراط وأمّا المنكرون لوقوعها أصلا فهم في طرف التفريط ، أمّا ضعف كلام الأوّلين فلأنّ المعتبرين من الشيعة لم يدّعوا ذلك ولو كان كلّ واحد من هذه الألفاظ منقولا بالتواتر لما اختصّ به بعض الشيعة دون بعض ، وأمّا المنكرون لوقوع هذا الكلام منه عليه السّلام فيحتمل إنكارهم وجهين : أحدهما أن يقصدوا بذلك توطية العوامّ ، وتسكين خواطرهم عن إثارة الفتن والتعصّبات الفاسدة ليستقيم أمر الدين ويكون الكلّ على نهج واحد فيظهروا لهم أنّه لم يكن بين الصحابة الَّذين هم أشراف المسلمين وساداتهم خلاف ولا نزاع ليقتدي بحالهم من سمع ذلك ، وهذا مقصد حسن ونظر لطيف لو قصد ، والثاني أن ينكروا ذلك عن اعتقاد أنّه لم يكن هناك خلاف من الصحابة ولا منافسة في أمر الخلافة والإنكار على هذا الوجه ظاهر البطلان لا يعتقده إلَّا جاهل
شرح نهج البلاغة — صفحة 251 | ابن ميثم البحراني