تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
بسماع الأخبار لم يعاشر أحدا من العلماء فإنّ أمر السقيفة وما جرى بين الصحابة من الاختلاف وتخلَّف عليّ عليه السّلام عن البيعة أمر ظاهر لا يدفع ومكشوف لا يتقنّع حتّى قال أكثر الشيعة إنّه لم يبايع أصلا ، ومنهم من قال إنّه بايع بعد ستّة أشهر كرها ، وقال مخالفهم إنّه بايع بعد أن تخلَّف في بيته مدّة ودافع طويلا ، وكلّ ذلك ممّا تقضي الضرورة معه بوقوع الخلاف والمنافسة بينهم والحقّ أنّ المنافسة كانت ثابتة بين علي عليه السّلام وبين من تولَّى أمر الخلافة في زمانه ، والشكاية والتظلَّم الصادر عنه في ذلك أمر معلوم بالتواتر المعنويّ فإنّا نعلم بالضرورة أنّ الألفاظ المنقولة عنه المتضمّنة للتظلَّم والشكاية في أمر الخلافة قد بلغت في الكثرة والشهرة بحيث لا يكون بأسرها كذبا بل لا بدّ وأن يصدق واحد منها ، وأيّها صدق ثبتت فيه الشكاية أمّا خصوصيّات الشكايات بألفاظها المعيّنة فغير متواترة وإن كان بعضها أشهر من بعض ، فهذا ما عندي في هذا الباب بعد التحريّ والاجتهاد ، وعلى هذا التقرير لا يبقى لإنكار كون هذه الخطبة صادرة عنه عليه السّلام ونسبتها إلى الرضيّ معنى فإنّ مستند هذا الإنكار هو ما يشتمل عليه من التصريح بالتظلَّم والشكاية ، ومستند إنكار ذلك منه عليه السّلام هو اعتقاد أنّه لم تكن له منافسة في هذا الأمر ، وأنت تعلم أنّ ذلك اعتقاد فاسد على أنّ هذه الخطبة خاصّة قد اشتهرت بين العلماء قبل وجود الرضيّ روى عن مصدّق بن شبيب النحويّ قال : لمّا قرأت هذه الخطبة على شيخي أبي محمّد بن الخشّاب ووصلت إلى قول ابن عبّاس ما أسفت على شيء قط كأسفي على هذا الكلام قال : لو كنت حاضر القلت لابن عبّاس وهل ترك ابن عمّك في نفسه شيئا لم يقله في هذه الخطبة فإنّه ما ترك لا الأوّلين ولا الآخرين . قال مصدّق : وكانت فيه دعابة ، فقلت له يا سيّدي فلعلَّها منحولة إليه فقال : لا واللَّه إنّي أعرف أنّها من كلامه كما أعرف أنّك مصدّق قال : فقلت : إنّ الناس ينسبونها إلى الشريف الرضيّ فقال : لا واللَّه ومن أين للرضيّ هذا الكلام ، وهذا الأسلوب فقد رأيناه كلامه في نظمه ونثره لا يقرب من هذا الكلام ولا ينتظم في سلكه على أنّي قد رأيت هذه الخطبة بخطوط العلماء الموثوق بنقلهم من قبل أن يخلق أبو الرضيّ فضلا عنه ، وأقول : وقد وجدتها في موضعين تاريخها قبل مولد الرضيّ بمدّة : أحدهما أنّها مضمّنة كتاب الإنصاف لأبي جعفر بن قبة تلميذ أبي القسم الكعبي أحد شيوخ المعتزلة وكانت وفاته قبل مولد الرضيّ ، الثاني أنّي وجدتها بنسخة