تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
الغرور استعارة لطيفة فإنّ الفجور لمّا كان هو الخروج عن ملكة العفّة والزهد وتجاوزها إلى طرف الإفراط منهم ، وكان معنى الزرع إلقاء الحبّ في الأرض استعار عليه السّلام لفظ الزرع لبذر الفجور في أراضي قلوبهم ، ولأنّ انتشاره عنهم ونموّه فيهم يشبه نموّ الزرع وانتشاره في الأرض ، ولمّا كان غرورهم وغفلتهم عن الطريق المستقيم بسبب عدولهم عنها وتجاوزهم إلى طرف الإفراط ومهاوي الهلاك وهو مادّة تماديهم في غيّهم وزيادة فجورهم وعدولهم عن سواء السبيل أشبه الماء الَّذي هو سبب حياة الزرع ونموّه ومادّة زيادته ولأجلها يناسب استعارة لفظ السقي الَّذي هو خاصّة الماء له ونسبته إليهم ، ثمّ لمّا كانت غاية ذلك الفجور هلاكهم في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بعذابها لا جرم أشبهت تلك الغاية الثمرة فاستعير لكونها غاية لهم لفظ الحصاد ونسب إليهم وقد اشتملت لفظ هذه الألفاظ مع حسن الاستعارة على الترصيع قال الوبري - رحمه اللَّه - الإشارة بهذا الكلام إلى الخوارج ، وقيل في المنافقين كما ورد مصرّحا به في بعض النسخ ، وأقول : يحتمل أن يكون متناولا لكلّ من نابذه عليه السّلام وخرج عن طاعته زاعما أنّه بذلك متعصّب للدين وناصر له ، وذلك لأنّ الفجور كما عرفت عبور وتجاوز إلى طرف الإفراط وكلّ من نابذه وهو مدّعي أنّه طالب للحقّ فقد خرج في طلبه للحقّ عن حاقّ العدل وتعدّاه إلى طرف الفجور والغلوّ ويدخل في ذلك القاسطون وهم أصحاب معاوية ، والمارقون وهم الخوارج ومن في معناهم إذ زعم الكلّ أنّهم بقتاله طالبون للحقّ ناصرون له . قوله لا يقاس بآل محمّد عليهم السّلام من هذه الأمّة أحد . إلى آخره . مدح لهم مستلزم لإسقاط غيرهم عن بلوغ درجتهم واستحقاق منزلتهم ، والكلام وإن كان عامّا في تفضيل آل محمّد على كلّ من عداهم من أمّته إلَّا أنّه خرج على سبب وهو قتاله عليه السّلام مع معاوية فهو إذن مشير إلى تفضيل نفسه على معاوية وعدم ترشّحه للخلافة ، فقوله لا يقاس بآل محمّد من هذه الأمّة أحد ولا يسوىّ بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا . إشارة إلى عدم مناسبة غيرهم لهم في الفضل ، والنعمة هاهنا نعمة الدين والإرشاد إليه ، والحكم ظاهر الصدق فإنّ المنعم عليه بمثل هذه النعمة الَّتي لا يمكن أحدا أن يقابلها بجزاء لا يتأهّل أبدا أن يصير في قوّة المنعم ، وخواصّه الَّذين اختصّهم بمزيدها على حسب استحقاقهم واستعدادهم التامّ الوافر