عليه أنّه مراد وأنّ الإنظار والإمهال له وكذلك استحقاق السحطة وإنجاز العدة وإطلاق لفظ السخطة استعارة فإنّ السخط لمّا كان عبارة عن حالة للإنسان يستلزم وجود مغضوب عليه غير مرضيّ بأفعاله وكان حال إبليس في إنظار اللَّه إيّاه وفسوقه عن أمر ربّه مستلزما لإعراض اللَّه سبحانه عنه وعمّن عصاه بمتابعته كان هناك نوع مشابهة ، فحسن لأجلها إطلاق لفظ السخطة أمّا العدة فتعود إلى قضاء الحكمة الإلهيّة ببقاء الوهم إلى يوم البعث ، وإنجازها يعود إلى موافقة القدر لذلك القضاء ، وقال بعضهم : إنّه لمّا كان هاهنا صورة مطرود ومبعّد وملعون حسن إطلاق لفظ السخطة واستحقاقها وأنّه إنّما انظر لأجلها وهو ترشيح للاستعارة . قوله ثمّ أسكن اللَّه سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه وآمن فيها محلَّته وحذّره إبليس وعداوته . أقول : الدار الَّتي أسكن فيها آدم هي الجنّة والإشارة هاهنا إلى أنّ الإنسان من أوّل زمان إفاضة القوّة العاقلة عليه إلى حين استرجاعها ما دام مراعيا لأوامر الحقّ سبحانه غير منحرف عن فطرته الأصليّة ولا معرض عن عبادته ولا يلتفت إلى غيره فإنّه في الجنّة وإن كانت الجنّة على مراتب كما قال تعالى « لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ » ( 1 ) ولذلك قال صلى اللَّه عليه وآله : كلّ مولود يولد على الفطرة وإنّما أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصّرانه إذ كانت نفسه قبل الجواذب الخارجيّة عن القبلة الحقيقيّة غير مدّ نسبة بشيء من الاعتقادات الفاسدة والهيئات الرديئة ، وإن كانت المرتبة السامية والغرفة العالية إنّما تنال بعد المفارقة ، واستصحاب النفس لأكمل زاد ، وأمّا إرغاد العيش فيعود إلى ابتهاجه بالمعقولات والمعارف الكلَّيّة وأمان المحلَّة أمان مكانه في الجنّة أن يعرض له خوف أو حزن ما دام فيها ، وأمّا تحذيره من إبليس وعداوته فظاهر من الأوامر الشرعيّة ولسان الوحي ناطق كما قال تعالى « إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ » ( 2 ) ووجه العداوة ظاهر ممّا قلنا فإنّ النفس لمّا كانت من عالم المجرّدات وكان الوهم بطبعه منكرا لهذا القسم من الممكنات كان منكرا لما تأمر به النفس من الأمور الكلَّيّة الَّتي لا حظَّ له في إدراكها وذلك من مقتضيات
شرح نهج البلاغة — صفحة 193
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٩٣
هامش
( 1 ) 39 - 21 .
( 2 ) 20 - 115 .