تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١

على أتمّ أنحاء الوجود وأكمله فجميع الموجودات من الأفلاك ومقاديرها وأعدادها وحركاتها المختلفة وهيئاتها وهيئة الأرض وما عليها من حيوان ونبات ومعدن ونحوه إنّما وجد على الوجه الَّذي وجد عليه لحصول النظام الكلَّي للعالم ولو كان بخلاف ما عليه لكان شرّا ، وناقصا فخلق الأفلاك والكواكب وما هي عليه من الحركات والأوضاع وجعلها أسبابا لحدوث الحوادث في عالم الكون والفساد بواسطة كيفيّات تحدثها فيها من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة يوجب ذلك امتزاج بعضها ببعض امتزاجات مختلفة ومستعدّة لقبول صور مختلفة من حيوان ونبات ومعدن ، وأظهر الكواكب تأثيرا هو الشمس والقمر فإنّ بحركة الشمس اليوميّة يحصل النهار والليل فالنهار هو زمان طلوعها يكون زمان التكسب والطلب للمعاش الَّذي به يحصل قوام الحياة ويكون سببا إلى السعادة الأخرويّة ثمّ إنّها في مدّة حركتها اليوميّة لا تزال تدور فتغشى جهة بعد جهة حتّى تنتهي إلى المغرب وقد أخذت كلّ جهة من الجهات حظَّا من الإشراق والاستعداد به ، وأمّا الليل وهو زمان غروبها فإنّ فيه هدوء الخلق وقرارهم الَّذي به تحصل الراحة وانبعات القوّة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء كما قال تعالى « هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِراً » ( 1 ) « وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً » ( 2 ) ثمّ كانت الشمس من جهة ضوئها كسراج يرتفع لأهل كلّ بيت بمقدار حاجتهم ثمّ يرفع عنهم فصار النور والظلمة على تضادّها متظاهرين على ما فيه مصلحة هذا العالم ، وأمّا بحسب حركاتها الجنوبيّة والشماليّة فقد جعل سبحانه ذلك سببا لإقامة الفصول الأربعة ففي الشتاء تغور الحرارة والنبات فيتولَّد منها موادّ البحار ويكثر السحاب والأمطار ويقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزيّة في البواطن ، وفي الربيع تتحرّك الطبائع وتظهر الموادّ المتولدّة في الشتاء فيطلع النبات وينوّر الشجر ويهيجّ الحيوان للفساد ، وفي الصيف يحتدم الهواء فينضج الثمار وتنحلّ فضول الأبدان ويجفّ وجه الأرض ويتهيّيء للبناء والعمارة ، وفي الحزيف يظهر اليبس والبرد فينتقل فيه الأبدان على التدريج إلى الشتاء فإنّه لو وقع

هامش
( 1 ) 10 - 69 .
( 2 ) 78 - 12