تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢

الانتقال دفعة لهلكت وفسدت ، وأمّا القمر فإنّ بحركته تحصل الشهور والأعوام كما قال سبحانه « لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ » ( 1 ) فيتمكَّن العبد بالحساب من ترتيب معاشه بالزراعة والحراثة وإعداد مهمّات الشتاء والصيف ، وباختلاف حاله في زيادته ونقصانه يختلف أحوال الرطوبات في هذا العالم ، فلو أنّه سبحانه خلق الأفلاك دون الكواكب لكان إن خلقها مظلما لم يحصل ما ذكرنا من اختلاف الفصول والحرّ والبرد فلم يتمّ في هذا العالم ما كانت أسبابا فيه من الاستعدادات ولم يتميّز لها فصل عن فصل كما قال تعالى « وَعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ ، هُمْ يَهْتَدُونَ » ( 2 ) وقوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ وان خلقها مضيئة تشابه أثرها في الأمكنة والأزمنة . بل خلق فيها الكواكب ولم يخلقها ساكنة وإلَّا لأفرط أثرها في موضع بعينه فيفسد استعداده ويخلو موضع آخر عن التأثيرات ، ولمّا تميزّت فصول السنة ولمّا حصل البرد المحتاج إليه والحرّ المحتاج إليه فلم يتمّ نشو النبات والحيوان ، وعلى الجملة فالنظام الكليّ لا يحصل إلَّا بهذا الوجه فهو أكمل أنحاء الوجود كلّ ذلك يدلّ على كمال رحمة اللَّه بخلقه وشمول عنايته لهم إذ كان جميع ما ذكرناه من المنافع الحاصلة في هذا العالم مستندة إلى علوّ تدبيره وكمال حكمته كما قال تعالى « وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والْقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ وآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لا تُحْصُوها إِنَّ الإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ » ( 3 ) لا يقال : السؤال علي ما ذكرتم من وجهين أحدهما أنّ الترتيب الَّذي ذكرتموه في تخصيص كلّ فلك ببعض الكواكب يشكل بقوله تعالى « إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ » ( 4 ) وقوله تعالى « وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ » ( 5 ) الثاني أنّ الشهب الثواقب الَّتي جعلت رجوما للشياطين على ما نطق به القرآن الكريم إمّا أن يكون من الكواكب الَّتي زيّنت بها السماء أو لا تكون ، والأوّل باطل لأنّ هذه الشهب تبطل بالانقضاض وتضمحلّ فكان يلزم من ذلك على مرور الزمان فناء

هامش
( 1 ) 10 - 5 .
( 2 ) 16 - 16
( 3 ) 14 - 37
( 4 ) 37 - 6
( 5 ) 67 - 5 .