بسبب فقد كان ذلك في حقّ اللَّه تعالى محالا لوجهين : أحدهما أنّ الميل النفسانيّ من خواصّ الإنسان طلبا لجلب المنفعة والباري سبحانه منزّه عن الميول النفسانيّة وجلب المنافع ، الثاني أنّه مستلزم للتألَّم المطلوب والتألَّم على اللَّه تعالى محال ، وإذ ليس إيجاده تعالى للعالم على أحد الأنحاء المذكورة فهو إذن بمحض الاختراع والإبداع البريء من الحاجة إلى أمر من خارج ذاته المقدّسة بديع السماوات والأرض وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فاعلم أنّه عليه السّلام أردف كلَّا من هذه الأمور بما هو كيفيّة في وجوده فأردف الرويّة بالإحالة والتجربة بالاستفادة والحركة بالإحداث والهمامة بالاضطراب لتنتفي الكيفيّة بانتفاء ما هي له عن ذاته المقدّسة وباللَّه التوفيق .
قوله أحال الأشياء لأوقاتها ولائم بين مختلفاتها وغرّز غرائزها وألزمها أشباحها .
قوله أحال الأشياء لأوقاتها ولائم بين مختلفاتها وغرّز غرائزها وألزمها أشباحها . أقول : لمّا نبّه على نسبة إيجاد العالم إلى اللَّه تعالى جملة أشار بعده إلى أنّ ترتيبه وما هو عليه من بديع الصنع والحكمة كان مفصّلا في علمه وعلى وفق حكمته البالغة قبل إيجاده ، والمراد بقوله أجال الأشياء لأوقاتها الإشارة إلى ربط كلّ ذي وقت بوقته بحسب ما كتب في اللوح المحفوظ بالقلم الإلهيّ بحيث لا يتأخّر متقدّم ولا يتقدّم متأخّر منها ، ومعنى الإجالة نقل كلّ منها إلى وقته ، وتحويله من العدم والإمكان الصرف إلى مدّته المضروبة لوجوده ، واللام في لأوقاتها لام التعليل أي لأجل أوقاتها إذ كلّ وقت يستحقّ بحسب قدرة اللَّه وعلمه أن يكون فيه ما لا يكون في غيره ، وعلى النسخة الأخرى فمعنى تأجيلها جعل أوقاتها أجلالها لا تتقدّم عليها ولا تتأخّر عنها كما قال « وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ » ونبّه بقوله ولائم بين مختلفاتها على كمال قدرة اللَّه تعالى ، وبيان ذلك في صورتين : إحداهما أنّ العناصر الأربع متضادّة الكيفيّات ، ثمّ إنّها إذا اجتمعت بقدرة اللَّه تعالى وعلى وفق حكمته حتّى انكسرت صورة كلّ واحد منها بالآخر وهو المسمّى بالتفاعل حصلت كيفيّة متوسّطة بين الأضداد متشابهة وهي المزاج فامتزاج اللطيف بالكثيف على ما بينهما من تضادّ الكيفيّات وغاية البعد بقدرته التامّة من أعظم الدلائل الدالَّة على كمالها ، الثانية أنّ الملائمة بين الأرواح اللطيفة والنفوس المجرّدة الَّتي لا حاجة بها في قوامها في الوجود إلى مادّة أصلا وبين هذه الأبدان المظلمة
شرح نهج البلاغة — صفحة 135
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٣٥