تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
أنّه فاعل إلَّا أنّ ما صدر عنه تعالى من الآثار ليس بحسب حركة ولا بتوسّط آلة كما يفتقر غيره في نسبة صدور الفعل عنه إليه أمّا أنّه لا يفتقر إلى الحركة فلأنّ معنى الحركة إنّما يعرض للجسم والباري تعالى منزّه عن الجسميّة فيستحيل صدق مسمّى الحركة في حقّه ، وأمّا أنّ فعله ليس بتوسّط آلة فبيانه من وجهين : أحدهما لو كان كذلك لكانت تلك الآلة إن كانت من فعله فإمّا بتوسّط آلة أخرى أو بدونها فإن كانت بدونها فقد صدق أنّه فاعل لا بمعنى الآلة وإن كان فعله لها بتوسّط آلة أخرى فالكلام فيها كالكلام في الأولى ويلزم التناقض ، وأمّا إن لم تكن تلك الآلة من فعله ولم يمكنه الفعل بدونها كان الباري تعالى مفتقرا في تحقّق فعله إلى الغير والمفتقر إلى الغير ممكن بالذات فالواجب بالذات ممكن بالذات هذا خلف . الثاني أنّه تعالى لو فعل بالآلة لكان بدونها غير مستقلّ بإيجاد الفعل فكان ناقصا بذاته مستكملا بالآلة ، والنقص على اللَّه تعالى محال فتوقّف فعله على الآلة محال فإذن هو الفاعل المطلق بالإبداع ومحض الاختراع المبرء عن نقصان الذات المنزّه عن الحاجة إلى الحركات والآلات . قوله بصير إذ لا منظور إليه من خلقه . قوله بصير إذ لا منظور إليه من خلقه . أقول : البصير فعيل بمعنى الفاعل من البصر ، والبصر حقيقة في حاسّة العين مجاز في القوّة الَّتي بها العلم ، والمنظور إليه هو المشاهد بتقليب الحدقة نحوه ، والمراد وصفه تعالى بكونه بصيرا حال مالا يتحقّق المبصرات ، وإذ ليس كونه بصيرا ، بمعنى أنّ له آلة البصر لتنزّهه عن الحواسّ وجب العدول إلى المجاز وهو أن يكون بصيرا بمعني أنّه عالم ، وقرينة ذلك . قوله إذ لا منظور إليه من خلقه لأنّ البصر أمر إضافيّ يلحق ذاته بالنسبة إلى مبصر وهو أمر يلحق ذاته أزلا وأبدا ولا شيء من المبصرات بالحسّ موجود أزلا لقيام البراهين العقليّة على حدوث العالم حتّى يمكن أن يلحقه النسبة بالقياس إليه فوجب أن لا يكون من حيث هو هو بصيرا بهذا المعنى ، ويحتمل أنّ الإشارة بإذ في قوله إذ لا منظور إليه إلى اعتبار كونه مقدّما على آثاره من جهة ما هو متقدّم فإنّه بالنظر إلى تلك الجهة لا منظور إليه من خلقه معه وهو عالم لذاته وبذاته مطلقا وإذ ليس بصيرا بالمعني المذكور فهو إذن بصير بالصفة الَّتي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات ، وبها تظهر الأسرار والخفيّات فهو الَّذي يشاهد ويرى حتّى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنّه يعلم السرّ وأخفى