شرح
ومقتضى ذلك وبعض الأدلّة الواردة في المياه المعتصمة أمور نشير إليها :
منها : أنّه لا يشترط في التطهير بالمياه المعتصمة انفصال الغسالة . والدليل عليه صحيح محمّد بن إسماعيل بن بزيع المعلّل عدم تنجّس ماء البئر ومطهّريّته بأنّ له مادّة ( 1 ) ; ومقتضى التعليل - كما قدّمناه - كفاية الاتّصال بما له شأنيّة النبعان وقابليّة نبوع الماء الكثير . ومن المعلوم أنّ المستفاد منه عند العرف أنّ الكثير الفعليّ أولى بكونه مطهّراً ; ومقتضى ذلك مطهّريّة الكثير الفعليّ وماله مادّة الكثرة مثل البئر والجاري وماء الحمّام بصِرف الاتّصال .
وأمّا ماء المطر فمضافاً إلى ما تقدّم من إمكان إجراء التعليل فيه بملاحظة التقاطر عليه من السماء يدلّ على مطهّريّته بمحض الملاقاة المرسلةُ المعروفة من قوله ( عليه السلام ) : « كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر » ( 2 ) وخبر محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن ( عليه السلام ) في طين المطر أنّه « لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيّام ، إلاّ أن يعلم أنّه قد نجّسه شيء بعد المطر . . . » ( 3 ) - ورواه المشايخ الثلاثة قدّس الله أسرارهم في كتبهم ، ورواه ابن إدريس في آخر السرائر عن كتاب محمّد بن عليّ بن محبوب كما في
الوسائل ( 4 ) - وغيره ممّا يدلّ على المقصود .
ولا يعارض ذلك مطلقات الأمر بالغسل ، بناءً على الانصراف إلى إزالة الماء الملوّث عن النجس لوجوه :
منها : أنّه لا يرى العرف تلوّثاً في الماء الكثير ; وما قلنا من الانصراف إنّما هو في الماء القليل الحالّ في المتنجّس مثلاً ، وأمّا الماء الكثير الّذي لا يتغيّر بغسل النجس فيه فلا يراه العرف ملوّثاً حتّى يفهم من أدلّة الأمر بالغسل وجوب إزالته ، فإذا كان الكثير الفعليّ كذلك فالكثير الشأنّي ملحق به بمقتضى التعليل الوارد في صحيح ابن بزيع ، فإنّ للتعليل نحو حكومة على الأحكام المترتّبة على الماء الكثير ، فتأمّل .
ومنها : أنّ الجمع العرفيّ بين أوامر الغسل وكفاية صِرف الاتّصال : كفاية الأمرين من
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 1 ص 126 ح 6 من ب 14 من أبواب الماء المطلق .
( 2 و 3 ) وسائل الشيعة : ج 1 ص 109 ح 5 و 6 من ب 6 من أبواب الماء المطلق .
( 4 ) ج 1 ص 110 .