شرح
« خلق الله الماء طهوراً لا ينجّسه شيء . . . » ( 1 ) . مضافاً إلى أنّ مطهّريّته في غالب الموارد مسلّم لا شبهة فيه ، وهذا بضمّ عدم انفعاله كاف في صدق المبالغة بنحو الإطلاق ، والإطلاق في المبالغة لا يقتضي الإطلاق في بعض ملاكات المبالغة ، فافهم وتأمّل .
ومنها : رواية داود بن فرقد عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال :
« كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض ، وقد وسّع الله عليكم بأوسع ما بين السماء والأرض ، وجعل لكم الماء طهوراً ، فانظروا كيف تكونون » ( 2 ) .
وظهور الرواية في كون المراد من الطهور هو المطهّر ممّا لا يخفى . وإطلاقه مؤيّد بقوله ( عليه السلام ) : « وقد وسّع الله عليكم بأوسع ما بين السماء والأرض » ، فإنّ الامتنان بالتوسعة لا يناسب الإهمال .
لكن مع ذلك كلّه لا يمكن الجزم بإطلاقه من جهة سوق الرواية مساق الامتنان على المجعول ، وليس في مقام بيان جعل الماء مطهّراً كي يتمسّك بإطلاقه ، فإنّ عدم علم داود بن فرقد بطهوريّة الماء غير محتمل ، فليس في مقام بيان ذلك ، بل في مقام الامتنان على تلك المنّة الإلهيّة ، وتوجّه المخاطب إلى سعة رحمة الحقّ وسهولة الشريعة المحمّديّة ( صلى الله عليه وآله ) واستتباعه البعث إلى ملازمة التقوى ومجانبة الهوى في الله تعالى .
ومنها - وهو عمدة ما يستفاد منه الإطلاق - : ما عن السكونيّ عن عليّ ( عليه السلام ) : « الماء يُطهِّر ولا يُطهَّر » ( 3 ) .
وأورد عليه الشيخ الأنصاريّ في طهارته بأنّه في قبال السلب الكلّيّ ، وهو ظاهر في الإهمال كما في قولنا : « زيد يُعطي ولا يُعطى ، ويَحكم ولا يُحكم عليه » ( 4 ) .
أقول : كون المتكلّم بصدد توصيف الماء وبيان شأنه ومرتبته مناف مع الإهمال . وصِرف التقابل لا يصلح للقرينة على الإهمال كما في قوله تعالى : ( وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ) ( 5 ) وقوله عزّ من قائل : ( وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ) ( 6 ) ، بل الظاهر هو الإطعام والإيجار في الموارد المقتضية مطلقاً .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 1 ص 101 ح 9 من ب 1 من أبواب الماء المطلق .
( 2 و 3 ) وسائل الشيعة : ج 1 ص 100 ح 4 و 7 من ب 1 من أبواب الماء المطلق .
( 4 ) كتاب الطهارة للشيخ الأنصاريّ ( قدس سره ) : ج 1 ص 68 .
( 5 ) سورة الأنعام : 14 .
( 6 ) سورة المؤمنون : 88 .