حزنها ، وذلك لأنه يرى : أن ذلك هو حقها الطبيعي ، الذي لو لم يبلغ هذا الحد ، لدل على نقص في معرفتها ، أو في عصمتها ، ومن ثم في مقامها .
وهذا يفسر لنا اختياره لطريقة التعامل مع هذا الأمر ، لا من حيث أنه يرى ذلك في غير محله ، أو أنه زائد عن حده ، بل من منطلق الرفق بها ، والسعي لتخفيف عبء المسؤولية الأخلاقية ، والإيمانية الملقاة على عاتقها ، التي تقضي بلزوم وفائها لأشرف وأفضل والد وحبيب ، وأحب الخلق لله تبارك وتعالى .
الجزع على رسول الله « صلى الله عليه وآله » :
روى المفيد بسنده إلى ابن عباس قال : لما توفي رسول الله « صلى الله عليه وآله » تولى غسله علي بن أبي طالب « عليه السلام » والعباس معه ، والفضل بن العباس . فلما فرغ « عليه السلام » من غسله كشف الإزار عن وجهه ، ثم قال : بأبي وأمي ، طبت حياً ، وطبت ميتاً ، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممن سواك ، من النبوة ، والأنبياء ، خصصت حتى صرت مسلياً عمن سواك ، وعممت حتى صار الناس فيك سواء . ولولا أنك أمرت بالصبر ، ونهيت عن الجزع لأنفذنا عليك الشؤون ، ولكان الداء مماطلاً ، والكمد محالفاً ، وقلَّا لك ، ولكنه ما لا يملك رده ، لا يستطاع دفعه . ثم أكب عليه ، فقبل وجهه ، والإزار عليه ( 1 ) .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ( بشرح عبده ) ج 2 ص 228 والأمالي للمفيد ص 60 و ( نشر دار المفيد ) ص 103 وبحار الأنوار ج 22 ص 327 و 527 و 542 والأنوار البهية ص 45 والتمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 162 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 24 وتمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني ص 488 .