والأولى في الديانة ترك العمل بهذه الرواية ، بل الواجب ذلك .
قال محمد بن إدريس رحمه الله مصنف هذا الكتاب : والرواية أوردها شيخنا
أبو جعفر في نهايته ( 1 ) ، وقد اعتذرنا له فيما يورده في هذا الكتاب ، أعني النهاية ، في
عدة مواضع ، وقلنا أنه يورده إيرادا ، من طريق الخبر ، لا اعتقادا من جهة الفتيا
والنظر ، لأن الإجماع حاصل منعقد من أصحابنا ، ومن المسلمين جميعا ، أنه لا يجوز
إقامة الحدود ، ولا المخاطب بها إلا الأئمة ، والحكام القائمون بإذنهم في ذلك ، فأما
غيرهم فلا يجوز له التعرض بها على حال ، ولا يرجع عن هذا الإجماع ، بأخبار
الآحاد ، بل بإجماع مثله ، أو كتاب الله تعالى ، أو سنة متواترة مقطوع بها .
فإن خاف الإنسان على نفسه من ترك إقامتها ، فإنه يجوز له أن يفعل في حال
التقية ، ما لم يبلغ ( 2 ) قتل النفوس فلا يجوز ( 3 ) فيه التقية ، عند أصحابنا بلا خلاف
بينهم .
وأما الحكم بين الناس والقضاء بين المختلفين ، فلا يجوز أيضا إلا لمن أذن له
سلطان الحق في ذلك ، وقد فوضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم ، المأمونين المحصلين
الباحثين عن مآخذ الشريعة ، الديانين القيمين بذلك ، في حال لا يتمكنون فيه
من توليته ( 4 ) بنفوسهم ، فمن تمك من إنفاذ حكم وهو من أهله ، أو إصلاح بين
الناس ، أو فصل بين المختلفين ، فليفعل ذلك ، وله به الأجر والثواب ، ما لم يخف
في ذلك على نفسه ، ولا على أحد من أهل الإيمان ، ويأمن الضرر فيه ، فإن خاف
شيئا من ذلك ، لم يجز له التعرض له على حال .
ومن دعا غيره إلى فقيه من فقهاء أهل الحق ، ليفصل بينهما ، فلم يجبه ، وآثر
المضي إلى المتولي من قبل الظالمين ، كان في ذلك متعديا للحق ، مرتكبا للآثام ،
هامش
( 1 ) النهاية : باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . .
( 2 ) ل : لم يبلغ فيه .
( 3 ) ج : فإنه لا يجوز .
( 4 ) ل : توليتهم .