وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، فكانوا
دون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة .
فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم ، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من اليهود
إلى أطم ( 1 ) من آطامهم لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
مبيضين ( 2 ) يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معشر
العرب هذا جدكم الذي تنتظرون .
فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة ،
يعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين من
شهر ربيع الأول .
فقام أبو بكر للناس ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا ، فطفق من
جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيى أبا بكر ، حتى أصابت
الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف
الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك .
فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس
المسجد الذي أسس على التقوى ، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم ركب راحلته وسار يمشى معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالمدينة ، وهو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين . وكان مربدا للتمر
هامش
( 1 ) الأطم : الحصن .
( 2 ) مبيضين : عليهم الثياب البيض التي كساها إياهم الزبير وطلحة .
وقال ابن التين : يحتمل أن معناها مستعجلين ، قال ابن فارس : يقال : بائض أي مستعجل شرح
المواهب 1 / 350 .