تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
ما أعلم أحدا أحق بالقتل منه . فقال أبو جعفر : اسكت يا أنوك ( 1 ) ، فوالله ما بقي على الأرض أحد اليوم يستحيا منه غير هذا ، ومالك بن أنس . دخول ابن أبي ذؤيب ومالك بن أنس وابن سمعان على أبي جعفر قال : وذكروا عن مالك بن أنس قال : لما ولي أبو جعفر الخلافة ، وافى إليه الملاقون ( 2 ) المشاءون بالنميمة عني بكلام كان قد حفظ علي ، فأتاني رسوله ليلا ونحن بمنى ، قال : أجب أمير المؤمنين ، وذلك بعد مفارقتي له ، وخروجي عنه ، فلم أشك أنه للقتل ، ففرغت من عهدي ( 3 ) ، واغتسلت وتوضأت ولبست ثياب كفني وتحنطت ، ثم نهضت فدخلت عليه في السرادق ، وهو قاعد على فراش قد نظم بالدر الأبيض ، والياقوت الأحمر ، والزمرد الأخضر ، حكى له أنه كان من فرش هشام بن عبد الملك كان قد أهداه إليه صاحب القسطنطينية ، لا يعلم ثمنه ، ولا يدرى ما قيمته ، والشمع يحترق بين يديه ، وابن أبي ذؤيب وابن سمعان قاعدان بين يديه ، وهو ينظر في صحيفة في يده . فلما صرت بين يديه سلمت ، فرفع رأسه ، فنظر إلي ، وتبسم تبسم المغضب ، ثم رمى بالصحيفة ، وأشار لي إلى موضع عن يمينه أقعد فيه . فلما قعدت وأخذت مقعدي ، وسكن روعى ، رفعت رأسي أنظر تلقائي ، فإذا أنا بواقف عليه درع ، وبيده سيف قد شهره ، يلمع له ما حوله ، فالتفت عن يميني ، فإذا أنا بواقف بيده جرز ( 4 ) من حديد ، ثم التفت عن يساري فإذا أنا بواقف عليه درع ، وبيده سيف قد شهره ، وهم أجمعون قد أصغوا إليه ، ورمقوه بأبصارهم خوفا من أن يأمر في أحد أمرا فيجده غافلا . ثم التفت إلينا وقال : أما بعد معشر الفقهاء ، فقد بلغ أمير المؤمنين عنكم ما أخشن صدره ، وضاق به ذرعه وكنتم أحق الناس بالكف من ألسنتكم ، والأخذ بما يشبهكم ، وأولى الناس بلزوم الطاعة ، والمناصحة في السر والعلانية لمن استخلفه الله عليكم . قال مالك : فقلت يا أمير المؤمنين ، قال الله تعالى : - يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين . فقال أبو جعفر : على ذلكم أي الرجال أنا عندكم ؟ أمن أئمة العدل ، أم من أئمة الجور ؟ فقال مالك : فقلت يا أمير المؤمنين ، أنا متوسل إليك بالله تعالى ، وأتشفع إليك بمحمد صلى الله عليه وسلم
هامش
( 1 ) الأنوك : الأحمق كما سبق . ( 2 ) الملاقون : المتملقون المنافقون . ( 3 ) العهد : الوصية : أي أوصيت بما أريد وبينت ما علي وما لي . ( 4 ) الجرز من الحديد : العمود من الحديد .
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 144 | ابن قتيبة الدينوري / طه محمد الزيتي