كتاب عبيد الله العمري إلى أبي جعفر
قال : وذكروا أن أبا جعفر لما قفل من حجه سنة ثمان وأربعين ومئة ، سأل عن عبيد
الله بن عمر بن حفص بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وهو الفقيه المعروف بالعمري . فقيل
له : إنه لم يحج العام يا أمير المؤمنين ، ولو حج لكان أول داخل عليك ، فلا تقبل عليه
أحدا يا أمير المؤمنين ، ولا يقدح فيه عندك إلا باطلي أو كذاب ، فإنه من علمت . فقال أبو
جعفر : والله ما تخلف عن الحج في عامه هذا إلا علما منه بأني حاج ، فلذلك تخلف ،
ولا والله ما زاده ذلك عندي إلا شرفا ورفعة ، وإني من التوقير له والاجلال بحال لا إخال
أحدا من الناس بذلك ، لشرفه في قريش ، وعظيم منزلته من هذا الأمر ، والموضع الذي جعله
الله فيه ، والمكان الذي أنزله به . فلما قدم أبو جعفر بغداد ، ورد عليه كتاب عبيد الله
العمري ، فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله أبي جعفر أمير المؤمنين ، من عبيد الله بن
عمر . سلام الله عليك ، ورحمة الله التي اتسعت فوسعت من شاء . أما بعد : فإني عهدتك ،
وأمر نفسك لك مهم ، وقد أصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة ، أحمرها ( 1 ) وأسودها وأبيضها ،
وشريفها ، ووضيعها ، يجلس بين يديك العدو والصديق ، والشريف والوضيع ، ولكل
حصته من العدل ، ونصيبه من الحق ، فانظر كيف أنت عند الله يا أبا جعفر ، وإني أحذرك
يوما تفنى فيه الوجوه والقلوب ، وتنقطع فيه الحجة ، لملك قد قهرهم بجبروته ، وأذلهم بسلطانه
والخلق داخرون ( 2 ) له ، يرجون رحمته ويخافون عذابه وعقابه . وإنا كنا نتحدث أن أمر
هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها ، أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة ، وإني أعوذ بالله
أن تنزل كتابي سوء المنزل ، فإني إنما كتبت به نصيحة ، والسلام .
فأجابه أبو جعفر المنصور
من عبد الله بن محمد أمير المؤمنين ، إلى عبيد الله بن عمر بن حفص :
سلام عليك ، أما بعد ، فإنك كتبت إلي تذكر أنك عهدتني وأمر نفسي لي مهم ، فأصبحت
وقد وليت أمر هذه الأمة بأسرها ، وكتبت تذكر أنه بلغك أن أمر هذه الأمة سيرجع في
هامش
( 1 ) الأحمر : الفرس ، والأسود : العرب ، والأبيض : الروم ، يريد أنك توليت أمر الأمة بما
فيها جميع الأجناس .
( 2 ) داخرون له : أذلاء له ، صغار أمام كبريائه .