فقلت : أنا لوصيتك حافظ . فقال : وأنا لها أحفظ ، إني إنما نهيتك أن تخطب الأعمال
ولم أنهك عن قبولها إن عرضت عليك . فقلت : الرزق مع قرب أمير المؤمنين أحب إلي .
فقال : وذلك أحب إلي لك ، وهو أجم لقلبك وأودع لك ، وأعفى إن شاء الله ، فهل زدت
أحدا في عيالك بعد . وقد كان سألني عنهم فعجبت من حفظه . فقلت : زدت الفرس والخادم ،
فقال : قد ألحقنا عيالك بعيالنا ، وخادمك بخادمنا : ولو لم يسعني حملت لك على بيت المال ،
فهل تحملك مئتا دينار لكل غرة ( 1 ) أو نزيدك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن شطرها ليحملني
العامين . قال : فإنها لك في كل غرة فاقبضها من عاملي في أي بلد أحببت ، وإن شئت فقد
ضممتك إلى المهدي ، فإنه أفرغ لك مني ، وأرضاه لك إن شاء الله .
حج أبي جعفر ولقائه مالك بن أنس وما قال له
ذكروا أن أبا جعفر أمير المؤمنين لما استقامت له الأمور ، واستولى على السلطان خرج
حاجا إلى مكة ، وذلك في سنة ثمان وأربعين ومئة . فلما كان بمنى ، أتاه الناس يسلمون عليه ،
ويهنئونه بما أنعم الله عليه ، وجاءه رجال الحجاز من قريش وغيرهم ، وفقهائهم وعلمائهم ، ممن
صاحبه وجامعه على طلب العلم ومذاكرة الفقه ورواية الحديث . فكان فيمن دخل عليه منهم :
مالك بن أنس . فقال له أبو جعفر : يا أبا عبد الله إني رأيت رؤيا . فقال مالك : يوفق الله
أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي ، ويلهمه الرشاد من القوم ، ويعينه على خير الفعل ، فما
رأي أمير المؤمنين ؟ فقال أبو جعفر : رأيت أني أجلسك في هذا البيت ، فتكون من عمار
بيت الله الحرام ، وأحمل الناس على علمك ، وأعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليك وفدهم ،
ويرسلون إليك رسلهم في أيام حجهم ، لتحملهم من أمر دينهم على الصواب والحق ، إن شاء
الله ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، وأنت أعلمهم . فقال مالك : يا أمير المؤمنين أعلى عينا ، وأرشد
رأيا ، وأعلم بما يأتي وما يذر ، وإن أذن لي أقول قلت ، فقال أبو جعفر : نعم ، فحقيق أنت
أن يسمع منك ، ويصدر عن رأيك . فقال مالك : يا أمير المؤمنين إن أهل العراق قد قالوا
قولا تعدوا فيه طورهم ، ورأيت أني خاطرت بقولي لأنهم أهل ناحية ، وأما أهل مكة فليس
بها أحد ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، كما قال الأمير ، وإن لكل قوم سلفا وأئمة . فإن رأى
أمير المؤمنين أعز الله نصره إقرارهم على حالهم فليفعل . فقال أبو جعفر : أما أهل العراق فلا
يقبل أمير المؤمنين منهم صرفا ولا عدلا ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، وقد علمنا أنك إنما
أردت خلاص نفسك ونجاتها . فقال مالك : أجل يا أمير المؤمنين ، فأعفني يعف الله عنك .
فقال أبو جعفر قد أعفاك أمير المؤمنين ، وأيم الله ما أجد بعد أمير المؤمنين أعلم
منك ولا أفقه .
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 142
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٤٢