دخول سفيان الثوري وسليمان الخواص على أبي جعفر
وما قالا له
قال : وذكروا أنه لما كان أبو جعفر بمنى في العام الذي حج فيه سفيان الثوري وسليمان
الخواص ، قال أحدهما لصاحبه : ألا ندخل على هذا الطاغي الذي كان يزاحمنا بالأمس في
مجالس العلم عند منصور والزهري ، فنكلمه ، ونأمره بحق ، وننهاه عن باطل ، فلعل أن
يقع كلامنا منه موقعا ينفع الله به المسلمين ، ويأجرنا عليه . فقال سليمان الخواص : إني لأخشى
أن يأتي علينا منه يوم سوء . فقال الثوري : ما أخاف ذلك ، فإن شئت فادخل ، وإن شئت
دخلت . فدخل سليمان الخواص ، فأمره ونهاه ، ووعظه وذكره الله ، وما هو صائر إليه ،
ومسؤول عنه . فقال له أبو جعفر : أنت مقتول ، ما تقول في كذا وكذا ، لشئ سأله عنه
من باب العلم ؟ فأجابه ، فلما خرج قال سفيان الثوري : ماذا صنعت ؟ قال : أمرت ونهيت ،
ووعظت وذكرت فرضا كان في رقابنا أديناه مع أنه لا يقبل ، وسألني عن مسألة فأجبته .
قال سفيان : ما صنعت شيئا ، فدخل سفيان الثوري فأمره ونهاه . فقال له : ها هنا أبا عبد
إلي إلي ، ادن مني . فقال : إني لا أطأ ما لا أملك ولا تملك . فقال أبو جعفر : يا غلام
أدرج البساط ، وارفع الوطاء ، فتقدم سفيان فصار بين يديه وقعد ، ليس بينه وبين الأرض
شئ ، وهو يقول : - منها خلقناكم ، وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى - ، فدمعت
عينا أبي جعفر . ثم تكلم سفيان دون أن يستأذن ، فوعظ وأمر ونهى وذكر ، وأغلظ في
قوله . فقال له الحاجب : أيها الرجل ، أنت مقتول : فقال سفيان : وإن كنت مقتولا
فالساعة ، فسأله أبو جعفر عن مسألة فأجابه ، ثم قال سفيان : فما تقول أنت يا أمير المؤمنين
فيما أنفقت من مال الله ، ومال أمة محمد بغير إذنهم ، وقد قال عمر في حجة حجها ، وقد أنفق
ستة عشر دينارا هو ومن معه : ما أرانا إلا وقد أجحفنا ببيت المال . وقد علمت ما حدثنا به
منصور بن عمار ، وأنت حاضر ذلك ، وأول كاتب كتبه في المجلس عن إبراهيم ، عن
الأسود ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رب
متخوض في مال الله ومال رسول الله فيما شاءت نفسه له النار غدا " فقال له أبو عبيدة الكاتب :
أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا ؟ فقال له سفيان : اسكت ، فإنما أهلك فرعون هامان ، وهامان
فرعون . ثم خرج سفيان ، فقال أبو عبيدة الكاتب : ألا تأمر بقتل هذا الرجل ؟ فوالله
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 143
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٤٣