والوشي ، ومائدة سليمان بن داود عليه السلام ، ومائدة ثانية من جزع ملون
والتيجان . قال : فقبض الوليد الجميع وأمر بالمائدة فكسرت ، وعمد إلى أفخر ما
فيها ، والتيجان والجزع ، فجعله في بيت الله الحرام ، وفرق غير ذلك ، ولم يلبث
الوليد أن مات رحمه الله .
خلافة سليمان بن عبد الملك وما صنع بموسى بن نصير
قال : وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك
لما أفضت الخلافة إليه ، بعث إلى موسى ، فأتي به ، فعنفه بلسانه ، وكان فيما
قال له يومئذ : أعلي اجترأت ، وأمري خالفت ، والله لأقللن عددك ، ولأفرقن
جمعك ، ولأبددن مالك ، ولأضعن منك ما كان يرفعه غيري ممن كنت تمنيه
أماني الغرور ، وتخدعه من آل أبي سفيان ، وآل مروان ، فقال له موسى : والله يا
أمير المؤمنين ما تعتل علي بذنب ، سوى أنني وفيت للخلفاء قبلك ، وحافظت
على من ولي النعمة عندي فيه ، فأما ما ذكر أمير المؤمنين : من أنه يقل عددي ،
ويفرق جمعي ويبدد مالي ، ويخفض حالي ، فذلك بيد الله ، وإلى الله ، وهو
الذي يتولى النعمة على الاحسان إلي ، وبه أستعين ، ويعيذ الله عز وجل أمير
المؤمنين ويعصمه أن يجري على يديه شيئا من المكروه لم أستحقه ، ولم يبلغه
ذنب اجترمته . فأمر به سليمان أن يوقف في يوم صائف شديد الحر على طريقه .
قال : وكانت بموسى نسمة ( 1 ) ، فلما أصابه حر الشمس ، وأتعبه الوقوف ، هاجت
عليه . قال : وجعلت قرب العرق تنصب منه ، فما زال كذلك حتى سقط ،
وعمر بن عبد العزيز حاضر ، إلى أن نظر سليمان إلى موسى ، وقد وقع مغشيا
عليه ، قال عمر بن عبد العزيز : ما مر بي يوم كان أعظم عندي ، ولا كنت فيه أكرب
من ذلك اليوم ، لما رأيت من الشيخ موسى ، وما كان عليه من بعد أثره في سبيل
الله ، وما فتح الله على يديه وهذا يفعل به . قال : فالتفت إلي سليمان فقال : يا أبا
حفص ، ما أظن إلا أني قد خرجت من يميني . قال عمر : فاغتنمت ذلك من فقلت
يا أمير المؤمنين شيخ كبير بادن ( 2 ) ، وبه نسمة قد أهلكته ، وقد أتت على ما فيه
من السلامة لك من يمينك ، وهو موسى البعيد الأثر في سبيل الله ، العظيم الغناء
هامش
( 1 ) نسمة : الربو ، وهو انتصاب النفس ، من أمراض الصدر .
( 2 ) البادن : الضخم الجسم ، السمين .