موسى الأندلس حتى بلغنا سرقسطة ، وكانت من أقصى ما بلغنا مع موسى إلا
يسيرا من ورائها ( 1 ) فأتينا مدينة على بحر ، ولها أربعة أبواب . قال : فبينما نحن
محاصروها إذ أقبل عياش بن أخيل ، صاحب شرطة موسى ، فقال : أيها الأمير ، إنا
قد فرقنا الجيش أرباعا على نواحي المدينة ، وقد بقي الباب الأقصى ، وعليه
رتبة . قال له موسى بن نصير : دع ذلك الباب فإنا سننظر فيه . قال : ثم إن موسى
التفت إلي فقال لي : كم معك من الزاد ؟ قلت : ما بقي معي غير تليس ( 2 ) ، قال :
فأنت لم يبق معك غير تليس ، وأنت من أمراء الجيش ، فكيف غيرك ! اللهم
أخرجهم من ذلك الباب . قال المغيرة : فأصبحنا من تلك الليلة وقد خرجوا من
ذلك الباب ، فدخلها موسى منه ، ووجه ابنه مروان في طلبهم فأدركهم ، فأسرع
القتل فيهم ، وأصابوا مما كان معهم ، ومما في المدينة شيئا عظيما . قال : وذكروا
أن جعفر بن الأشتر ، قال : كنت فيمن غزا الأندلس مع موسى ، فحاصرنا حصنا
من حصونها عظيما ، بضعا وعشرين ليلة ، ثم لم نقدر عليه . فلما طال ذلك عليه
نادى فينا ، أن أصبحوا على تعبئة ، وظننا أنه قد بلغه مادة من العدو ، وقد دنت
منا ، وأنه يريد التحول عنهم ، فأصبحنا على تعبئة ، فقام فحمد الله ، ثم قال :
أيها الناس ، إني متقدم أمام الصفوف ، فإذا رأيتموني قد كبرت وحملت ، فكبروا
واحملوا . فقال الناس : سبحان الله ، أترى فقد عقله أم عزب عنه رأيه ، يأمرنا
نحمل على الحجارة وما لا سبيل إليه ! قال : فتقدم بين يدي الصفوف حيث يراه
الناس ، ثم رفع يديه وأقبل على الدعاء والرغبة ، فأطال ونحن ركوب منتظرون
تكبيره ، فاستعددنا ، ثم إن موسى كبر ، وكبر الناس ، وحمل وحمل الناس ،
فانهدت ناحية الحصن التي تلينا ، فدخل الناس منها ، وما راعني إلا خيل
المسلمين تمزع فيها ، وفتحها الله علينا ، فأصبنا من السبي والجواهر ما لا
يحصى .
قال : وحدثتني مولاة لعبد الله بن موسى ، وكانت من أهل الصدق
والصلاح ، أن موسى حاصر حصنها الذي كانت من أهله ، وكان تلقاءه حصن
آخر . قالت : فأقام لنا محاصرا حينا ، ومعه أهله وولده ، وكان لا يغزو إلا بهم لما
هامش
( 1 ) أنظر الحاشية السابقة
( 2 ) التليس : بتشديد اللام ، الكيس الكبير .