[ يس : 50 ] فاستمر في السجن إلى أن بنى الحجاج خضراء واسط فقال
لجلسائه : كيف ترون هذه القبة ؟ قالوا : ما رأينا مثلها قط . قال الحجاج : أما إن
لها عيبا فما هو ؟ قالوا : ما نرى بها عيبا . قال : سأبعث إلى من يخبرني به ،
فبعث ، فأقبل بالغضبان وهو يرسف في قيوده ، فلما مثل بين يديه . قال له يا
غضبان كيف قبتي هذه ؟ قال : أصلح الله الأمير نعمت القبة ! حسنة مستوية !
قال : أخبرني بعيبها ؟ قال ( 1 ) : بنيتها في غير بلدك ، لا يسكنها ولدك ، ومع ذلك
فإنه لا يبقى بناؤها ، ولا يدوم عمرانها ، وما لا يبقى ولا يدوم ، فكأنه لم يكن .
قال الحجاج : صدق ، ردوه إلى السجن . فقال الغضبان : أصلح الله الأمير ، قد
أكلني الحديد ، وأوهن ساقي القيود ، وما أطيق المشي . قال : احملوه . فلما
حمل على الأيدي قال : ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين )
[ الزخرف : 13 ] قال : أنزلوه ، فلما أنزلوه . قال : ( رب أنزلني منزلا مباركا وأنت
خير المنزلين ) [ المؤمنون : 29 ] قال الحجاج : جروه . قال الغضبان وهو يجر :
( بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ) [ هود : 41 ] . قال الحجاج :
اضربوا به الأرض ، فقال : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة
أخرى ) [ طه : 55 ] فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه ثم قال : ويحكم ،
قد غلبني والله هذا الخبيث ، أطلقوه إلى صفحي عنه . قال الغضبان : ( فاصفح
عنهم وقل سلام ) [ الزخرف : 89 ] . فنجا من شره بإذن الله ، وكانت براءته فيما
انطلق على لسانه ( 2 ) .
حرب الحجاج مع ابن الأشعث وقتله
قال : وذكروا أن الحجاج لما قدم العراق أميرا ، زوج ابنه محمدا ميمونة
بنت محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ، رغبة في شرفها ، مع ما كانت عليه من
جمالها ، وفضلها في جميع حالاتها ، وأراد من ذلك ، استمالة جميع أهلها وقومها
إلى مصافاته ، ليكونوا له يدا على من ناوأه ، وكان لها أخ يقال له عبد الرحمن بن
محمد بن الأشعث الكندي ، له أبهة في نفسه . وكان جميلا بهيا منطقيا ، مع ما
هامش
( 1 ) العبارة في مروج الذهب : بنيت في غير بلدك ، لغير ولدك ، لا تتمتع به ولا تنعم ، فما لما لا
يتمتع فيه من طيب ولا لذة .
( 2 ) الخبر باختلاف : زيادة ونقصان في العبارات في مروج الذهب ( 3 / 179 - 182 ) .