ما وراءك يا غضبان ؟ قال : شر طويل ، تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك . ثم
انصرف من عنده ( 1 ) ، فنزل رملة كرمان ، وهي أرض شديدة الحر ، فضرب بها قبة
وجلس فيها ، فبينا هو كذلك إذ ورد أعرابي من بكر بن وائل على قعود ، فوقف
عليه وقال : السلام عليك . فقال له الغضبان : السلام كثير ، وهي كلمة مقولة .
قال الأعرابي : من أين أقبلت ؟ قال : من الأرض الذلول . قال : وأين تريد ؟ قال :
أمشي في مناكبها ، وآكل من رزق الله الذي أخرج لعباده منها . قال الأعرابي :
فمن غلب اليوم ؟ قال الغضبان : المتقون . قال : فمن سبق ؟ قال : حزب الله
الفائزون . قال الأعرابي : ومن حزب الله ؟ قال : هم الغالبون . فعجب الأعرابي
من منطقه ، وحضور جوابه . ثم قال : أتقرض ؟ قال الغضبان : إنما تقرض الفأرة .
قال : أفتنشد ؟ قال : إنما تنشد الضالة . قال : أفتسجع ؟ قال : إنما تسجع
الحمامة . قال : أفتنطق ؟ قال : إنما ينطق كتاب الله . قال : أفتقول ؟ قال : إنما
يقول الأمير . قال الأعرابي : تالله ما رأيت مثلك قط . قال الغضبان : بل رأيت
ولكنك نسيت ، قال الأعرابي : فكيف أقول ؟ قال : أخذتك الغول ، في
العاقول ( 2 ) ، وأنت قائم تبول . قال الأعرابي : أتأذن لي أن أدخل ( 3 ) عليك ؟ قال
الغضبان : وراؤك أوسع لك ، قال الأعرابي : قد أحرقتني الشمس . قال الغضبان : الآن
يفئ عليك الفئ إذا غربت . قال الأعرابي : إن الرمضاء قد أحرقت قدمي . قال
الغضبان : بل عليها تبرد . قال الأعرابي : إن الوهج شديد . قال الغضبان : ما لي
عليه سلطان . قال الأعرابي : إني والله ما أريد طعامك ولا شرابك . قال
الغضبان : لا تعرض بهما ، فوالله لا تذوقهما . قال الأعرابي : وما عليك لو
ذقتهما ؟ قال الغضبان : نأكل ونشبع . فإن فضل شئ من الأكرياء والغلمان ،
فالكلب أحق به منك . قال الأعرابي : سبحان الله ! قال الغضبان : نعم ، من قبل
أن يطلع رأسك وأضراسك إلى الدنيا ، قال الأعرابي : ما عندك إلا ما أرى ؟ قال
الغضبان : بل عندي هراوتان أضرب بهما رأسك حتى ينتثر دماغك . قال
الأعرابي : إنا لله وإنا إليه راجعون . قال الغضبان : أظلمك أحد ؟ قال الأعرابي :
ما أرى . ثم قال الأعرابي : يا آل حارث بن كعب ، فقال الغضبان : بئس الشيخ
ذكرت . قال الأعرابي : ولم ذلك ؟ قال الغضبان : لأن إبليس يسمى حارثا . قال
هامش
( 1 ) في مروج الذهب 3 / 180 دخل مع ابن الأشعث في أمره .
( 2 ) العاقول : نبات تأكله الإبل .
( 3 ) في مروج الذهب : أدنو إليك .