على كل باب مئة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم ، وعهد إليهم أن إذا سمعتم
الجلبة في داخل المسجد ، والواقعة فيهم ، فلا يخرجن خارج من باب المسجد
حتى يسبقه رأسه إلى الأرض ، وكان المسجد له ثمانية عشر بابا ، يدخل منها إليه .
فافترق القوم عن الحجاج فبدروا إلى الأبواب ، فجلسوا عندها مرتدين ينتظرون
الصلاة ، ودخل الحجاج وبين يديه مئة رجل ، وخلفه مئة كل رجل منهم مرتد
بردائه ، وسيفه قد أفضى به إلى داخل إزاره . فقال لهم : إني إذا دخلت فسأكلم
القوم في خطبتي ، وسيحصبونني ، فإذا رأيتموني قد وضعت عمامتي على
ركبتي ، فضعوا أسيافكم ، واستعينوا بالله ، واصبروا إن الله مع الصابرين ، فلما
دخل المسجد ، وقد حانت الصلاة ، صعد المنبر فحمد الله ثم قال : أيها الناس
إن أمير المؤمنين عبد الملك أمير استخلفه الله عز وجل في بلاده ، وارتضاه إماما
على عباده ، وقد ولاني مصركم ، وقسمة فيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم ،
وإمضاء الحكم على ظالمكم ، وصرف الثواب إلى المحسن البرئ ، والعقاب
إلى العاصي المسئ ، وأنا متبع فيكم أمره ، ومنفذ عليكم عهده ، وأرجو بذلك
من الله عز وجل المجازاة ، ومن خليفته المكافأة وأخبركم أنه قلدني بسيفين حين
توليته إياي عليكم : سيف رحمة ، وسيف عذاب ونقمة ، فأما سيف الرحمة فسقط
مني في الطريق ، وأما سيف النقمة فهو هذا . فحصبه الناس . فلما أكثروا عليه
خلع عمامته ، فوضعها على ركبته ، فجعلت السيوف تبري الرقاب ، فلما سمع
الخارجون الكائنون على الأبواب وقيعة الداخلين ، ورأوا تسارع الناس إلى
الخروج ، تلقوهم بالسيوف ، فردعوا الناس إلى جوف المسجد ، ولم يتركوا
خارجا يخرج ، فقتل منهم بضعة وسبعين ألفا ، حتى سالت الدماء إلى باب
المسجد ، وإلى السكك ( 1 ) .
قال أبو معشر : لما قدم الحجاج البصرة ، صعد المنبر ، وهو معتجر
بعمامته متقلد سيفه وقوسه . قال : فنعس على المنبر ، وكان قد أحيا الليل ، ثم
تكلم بكلام فحصبوه ، فرفع رأسه ثم قال : إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان
قطافها ( 2 ) . فهابوه وكفوا ، ثم كلمهم فحصبوه وأكثروا ، فأمر بهم جندا من أهل
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ، ولم أقف على خطبته هذه فيما لدي من مراجع . والواضح أن في الخبر مبالغة
ظاهرة إذ أن حدثا بهذا القدر - يقتل بضعة وسبعين ألفا - لا يمكن إغفاله .
( 2 ) من خطبة طويلة . أنظر ابن الأثير 3 / 85 الكامل للمبرد 1 / 224 البيان والتبيين 2 / 224 العقد
الفريد 4 / 120 مروج الذهب 3 / 155 ، فتوح ابن الأعثم 7 / 5 - 9 البداية والنهاية 9 / 11
الطبري 7 / 210 .