وجعل عبد الملك يرسل إليه الجيوش رسلا ( 1 ) ، حتى توافي الناس عنده قدر ما
يظن أنه يقدر على قتال عبد الله بن الزبير ، وكان ذلك في ذي القعدة سنة اثنتين
وسبعين فسار الحجاج من الطائف ، حتى نزل منى ، فحج بالناس وعبد الله بن
الزبير محصور بمكة ، ثم نصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس ( 2 ) ، ونواحي
مكة كلها ، فرمى أهل مكة بالحجارة ، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها ،
جمع عبد الله بن الزبير القرشيين ، فقال لهم : ما ترون ؟ فقال رجل منهم من بني
مخزوم : والله لقد قاتلنا معك حتى ما نجد مقاتلا ، لئن صبرنا معك ما نزيد على
أن نموت معك ، وإنما هي إحدى خصلتين : إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا
ولك ، وإما أن تأذن لنا فنخرج . فقال عبد الله قد كنت عاهدت الله أن لا يبايعني
أحد ، فأقيله بيعته إلا ابن صفوان . قال ابن صفوان : والله إنا لنقاتل معك ، وما
وفيت لنا بما قلت ، ولكن خذني لحفيظة أن لا أدعك عند مثل هذه حتى يموت
معك . فقال رجل آخر : اكتب إلى عبد الملك . فقال له عبد الله : وكيف ؟ أأكتب
إليه : من عبد الله أبي بكر أمير المؤمنين ، فوالله لا يقبل هذا مني أبدا ، أم أكتب
إليه : لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير ، فوالله لأن تقع الخضراء
على الغبراء أحب إلي من ذلك . قال عروة أخوه وهو جالس معه على السرير : يا
أمير المؤمنين ، قد جعل الله لك أسوة . فقال عبد الله : من هو أسوتي ؟ قال :
الحسن بن علي بن أبي طالب ، خلع نفسه وبايع معاوية . فرفع عبد الله رجله
وضرب عروة حتى ألقاه ثم قال : يا عروة ، قلبي إذن مثل قلبك ، والله لو قبلت ما
تقولون ما عشت إلا قليلا ، وقد أخذت الدنية ، وما ضربة بسيف إلا مثل ضربة
بسوط ( 3 ) ، لا أقبل شيئا مما تقولون . قال : فلما أصبح دخل على بعض نسائه
فقال : اصنعي لي طعاما ، فصنعت له كبدا وسناما . قال : فأخذ منها لقمة فلاكها
ساعة ، فلم يسغها فرماها ، وقال : اسقوني لبنا ، فأتي بلبن فشرب ، ثم قال هيئوا
لي غسلا ، قال : فاغتسل ، ثم تحنط وتطيب ، ثم تقلد سيفه وخرج وهو يقول :
ولا ألين لغير الحق أسأله * حتى يلين لضرب الماضغ الحجر
هامش
( 1 ) أي قطعة بعد قطعة ، أو جماعة بعد جماعة . يريد أنه تتالى إرسال الجيوش إليه ، ربما حتى
بلغت 20 ألفا كما ورد عند اليعقوبي .
( 2 ) أبو قبيس : جبل بمكة ، سمي باسم رجل من مذحج حداد ، لأنه أول من بنى فيه .
( 3 ) في العقد الفريد : وإن ضربة بسيف في عز خير من لطمة في ذل .