بمنى ، أتاه الناس يسلمون عليه ، ويهنئونه بما أنعم الله عليه ، وجاءه رجال
الحجاز من قريش وغيرهم ، وفقهائهم وعلمائهم ، ممن صاحبه وجامعه على
طلب العلم ومذاكرة الفقه ورواية الحديث . فكان فمن دخل عليه منهم :
مالك بن أنس . فقال له أبو جعفر : يا أبا عبد الله إني رأيت رؤيا . فقال مالك :
يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي ، ويلهمه الرشاد من القول ، ويعينه
على خير الفعل ، فما رأي أمير المؤمنين ؟ فقال أبو جعفر : رأيت أني أجلسك في
هذا البيت ، فتكون من عمار بيت الله الحرام ، وأحمل الناس على علمك ،
وأعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليك وفدهم ، ويرسلون إليك رسلهم في أيام
حجهم ، لتحملهم من أمر دينهم على الصواب والحق ، إن شاء الله ، وإنما العلم
علم أهل المدينة ، وأنت أعلمهم . فقال مالك : أمير المؤمنين أعلى عينا ، وأرشد
رأيا ، وأعلم بما يأتي وما يذر ، وإن أذن لي أقول قلت ، فقال أبو جعفر : نعم ،
فحقيق أنت أن يسمع منك ، ويصدر عن رأيك . فقال مالك : يا أمير المؤمنين إن
أهل العراق قد قالوا قولا تعدوا فيه طورهم ، ورأيت أني خاطرت بقولي لأنهم
أهل ناحية ، وأما أهل مكة فليس بها أحد ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، كما
قال الأمير ، وإن لكل قوم سلفا وأئمة . فإن رأى أمير المؤمنين أعز الله نصره
إقرارهم على حالهم فليفعل . فقال أبو جعفر : أما أهل العراق فلا يقبل أمير
المؤمنين منهم صرفا ولا عدلا ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، وقد علمنا أنك
إنما أردت خلاص نفسك ونجاتها . فقال مالك : أجل يا أمير المؤمنين ، فأعفني
يعف الله عنك . فقال أبو جعفر : قد أعفاك أمير المؤمنين ، وأيم الله ما أجد بعد
أمير المؤمنين أعلم منك ولا أفقه .
دخول سفيان الثوري وسليمان الخواص
على أبي جعفر وما قالا له
قال : وذكروا أنه لما كان أبو جعفر بمنى في العام الذي حج فيه سفيان
الثوري وسليمان الخواص ، قال أحدهما لصاحبه : ألا ندخل على هذا الطاغي
الذي كان يزاحمنا بالأمس في مجالس العلم عند منصور ( 1 ) والزهري ، فنكلمه ،
هامش
( 1 ) يريد منصور بن عمار .