والأخذ بما يشبهكم ، وأولى الناس بلزوم الطاعة ، والمناصحة في السر والعلانية
لمن استخلفه الله عليكم . قال مالك : فقلت : يا أمير المؤمنين ، قال الله تعالى :
( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا
على ما فعلتم نادمين ) فقال أبو جعفر : على ذلكم أي الرجال أنا عندكم ؟ أمن
أئمة العدل ، أم من أئمة الجور ؟ فقال مالك : فقلت : يا أمير المؤمنين ، أنا متوسل
إليك بالله تعالى ، وأتشفع إليك بمحمد صلى الله عليه وسلم وبقرابتك منه ،
إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا . قال : قد أعفاك أمير المؤمنين . ثم التفت إلى
ابن سمعان فقال له : أيها القاضي ناشدتك الله تعالى ، أي الرجال أنا عندك ؟
فقال ابن سمعان : أنت والله خير الرجال يا أمير المؤمنين ، تحج بيت الله
الحرام ، وتجاهد العدو ، وتؤمن السبل ، ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي ،
وبك قوام الدين ، فأنت خير الرجال ، وأعدل الأئمة . ثم التفت إلى ابن أبي
ذؤيب فقال له : ناشدك الله ، أي الرجال أنا عندك ؟ قال : أنت والله عندي شر
الرجال ، استأثرت بمال الله ورسوله ، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين ،
وأهلكت الضعيف ، وأتعبت القوي ، وأمسكت أموالهم ، فما حجتك غدا بين
يدي الله ؟ فقال له أبو جعفر : ويحك ، ما تقول ؟ أتعقل ؟ انظر ما أمامك . قال :
نعم ، قد رأيت أسيافا ، وإنما هو الموت ، ولا بد منه ، عاجله خير من آجله . ثم
خرجا وجلست . قال : إني لأجد رائحة الحنوط عليك . قلت : أجل ، لما نمي
إليك عني ما نمي ، وجاءني رسولك في الليل ، ظننته القتل ، فاغتسلت وتطيبت ،
ولبست ثياب كفني . فقال أبو جعفر : سبحان الله ما كنت لأثلم ( 1 ) الإسلام ،
وأسعى في نقضه أو ما تراني أسعى في أود الإسلام ، وإعزاز الدين . عائذا
بالله مما قلت يا أبا عبد الله ، انصرف إلى مصرك راشدا مهديا ، وإن أحببت ما
عندنا ، فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا ، ولا يعدل بك مخلوقا . فقلت : إن
يجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة ، وإن يخيرني أمير المؤمنين
اخترت العافية . فقال : ما كنت لأجبرك ، ولا أكرهك ، انقلب معافى مكلوءا .
قال : فبت ليلتي ، فلما أصبحنا أمر أبو جعفر بصرر دنانير ، في كل صرة خمسة
آلاف دينار ، ثم دعا برجل من شرطته فقال له : تقبض هذا المال ، وتدفع لكل
هامش
( 1 ) أثلم : أكسر ، أو أجعل في الإسلام شرخا أو ثلما بقتلك .