المؤمنين ، لا تدخل على نفسك هذا الغم من أجلي ، فإن قدري أصغر مما بلغ
منك هذا . فصفق أبو جعفر بيده فخرج عثمان بن نهيك ، فضربه ضربة خفيفة ،
فأومأ أبو مسلم إلى رجل أبي جعفر يقبلها ويقول : أنشدك الله يا أمير المؤمنين ،
استبقني لأعدائك ، فدفعه برجله وضربه شبيب على حبل العاتق ( 1 ) فأسرعت فيه ،
فقال أبو مسلم : وانفساه : ألا قوة ؟ ألا مغيث ؟ وصاح أبو جعفر : أضرب لا أم
لك ، فاعتوره القوم بأسيافهم فقتلوه ، فأمر به أبو جعفر ، فكفن بمسح ( 2 ) ، ثم وضع
في ناحية ، ثم قيل : إن عيسى بن موسى بالباب ، فقال : أدخلوه . فلما دخل
قال : يا أمير المؤمنين ، فأين أبو مسلم ؟ قال : كان هاهنا آنفا فخرج . فقال
عيسى : يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ومناصحته ، ورأى إبراهيم الإمام فيه .
قال له أبو جعفر : يا أنوك ( 3 ) والله ما أعرف عدوا أعدى لك منه ، ها هوذا في
البساط . فقال عيسى : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فأقبل إسحاق صاحب شرطته
قال : إنما كان أبو مسلم عبد أمير المؤمنين وأمير المؤمنين أعلم بما صنع . فأمر
أبو جعفر برأسه ، فطرح إلى من بالباب من قواد أبي مسلم ، فجالوا جولة ،
وهموا أن يبسطوا سيوفهم على الناس ، ثم ردهم على ذلك انقطاعهم من بلادهم
وتغربهم وإحاطة العدو بهم ، فبعضهم اتكأ على سيفه فمات ، وبعضهم ناصب
وأراد القتال ، فلما نظر أبو جعفر إلى ذلك ، أمر بالعطاء لأصحاب أبي مسلم ،
وأجزل الصلات للقواد والرؤساء منهم ، ثم عهد إليهم أن من أحب منكم أن
يكون معنا هاهنا ، نأمر بإلحاقه في الديوان ، في ألف من العطاء ، ومن أحب أن
يلحق بخراسان كتبناه في خمس مئة ترد عليه في كل عام وهو قاعد في بيته .
قال : فكأنها نار طفئت . فقالوا : رضينا يا أمير المؤمنين كل ما فعلت ، فأنت
الموفق . فمنهم من رضي بالمقام معه ، ومنهم من لحق بخراسان .
ثورة عيسى بن زيد بن علي بن الحسين
قال : وذكروا أن أبا جعفر لما قتل أبا مسلم ، واستولى على ملك العراقين
هامش
( 1 ) العاتق : الكتف . وحبله : عظمة الترقوة . وفي مروج الذهب : فقطع رجله .
( 2 ) المسح الثوب الخشن . وفي الأخبار الطوال : لف في بساط . وفي مروج الذهب : أدرج في
بساط .
( 3 ) الأنوك : الأحمق .