والشام ، والحجاز ، وخراسان ، ومصر ، واليمن ، ثار عليه عيسى بن زيد بن
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، فقاتله فيما بين الكوفة وبغداد ، ولقيه
في جموع كثيرة ، نحوا من عشرين ومئة ألف ، فأقام أياما يقاتله في كل يوم ، حتى
هم أبو جعفر بالهزيمة ، وركب فرسه ليهرب ، ثم جعل يشجع أصحابه ، ويعدهم
بالعطايا الواسعة ، والصلات الجزيلة ، فقاتلوا ، ثم إن أبا جعفر غلبته عيناه وهو
على فرسه ، فرأى في نومه أنه يمد يديه ورجليه على الأرض . فاستيقظ ودعا
عبارا كان معه ، فأخبره بما رأى . فقال له : أبشر يا أمير المؤمنين ، فإن سلطانك
ثابت ، وسيليه بعدك جماعة من ولدك ، وهذا الرجل منهزم ، فما كان بأسرع من
أن نظر إلى عيسى بن زيد منهزما .
هروب مالك بن الهيثم
وذكروا أن مالك بن الهيثم خرج هاربا حتى أتى همدان ( 1 ) ، وعليها يومئذ
زهير بن التركي مولى خزاعة ، فكتب إليه أبو جعفر : إن الله مهرق دمك إن فاتك
مالك ، فجاء زهير بن التركي إلى مالك بن الهيثم ، فقال له : جعلت فداك ، قد
أعددت لك طعاما ، فلو أكرمتني بدخولك منزلي . فقال له : نعم ، وكان قد هيأ له
زهير أربعين رجلا ، فلما دخل مالك قال لزهير : عجل طعامك ، وقد توثق زهير
من الباب وهيأ أصحابه ، فخرج عليه الأربعون ، فشدوه وثاقا ، ثم وضعوا القيود
في رجله ، ثم قال : أبا نصر ، جعلت فداك ، والله ما عرفت هذه الدعوة حتى
أدخلتني فيها ودعوتني إليها ، فما الذي يخرجك منها ، والله ما أخليك حتى تزور
أبا جعفر ، فبعث به إليه ، فعفا عنه أبو جعفر ، وولاه الموصل .
قال الهيثم : وكان يقال : إن عبد الملك بن مروان كان أحزم بني أمية ، وإن
أبا جعفر كان أحزم بني العباس ، وأشدهم بأسا ، وأقواهم قلبا ، ألا ترى أن
عبد الملك قتل عمرو بن سعيد في داخل قصره ، وأبوابه مغلقة ، وأبو جعفر قتل
أبا مسلم في داخل سرادقه ، وليس بينه وبين أهل خراسان إلا خرقة ؟
هامش
( 1 ) وكان أبو جعفر قد كتب كتابا عن لسان أبي مسلم إلى أبي نصر يأمره فيه بحمل ثقله وما خلق
عنده وأن يقدم . وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم ، فلما رأى أبو نصر الخاتم تاما علم أن أبا مسلم
لم يكتب الكتاب ( وكان أبو مسلم قد اتفق مع أبي نصر أنه إن جاءه منه كتابا مختوما بنصف خاتم
فأنا كتبته ، وأن أتاك بالخاتم كله فلم أكتبه : الطبري 7 / 489 ) فقال : فعلتموها وانحدر إلى
همدان يريد خراسان ( الطبري 7 / 493 ) .