تولية سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة
وما أشار به موسى عليه
قال : وذكروا أن سعيد بن عبد الله أخبرهم ، قال : إن سليمان بن عبد الملك
بعث أخاه مسلمة إلى أرض الروم ( 1 ) ، ووجه معه خمس مئة وثلاثين ألف رجل ،
وخمس مئة رجل ممن قد ضمه الديوان واكتتب في العطاء وتقلب في الأرزاق ،
ثم دعا سليمان بموسى ، بعد أن رضي عنه على يد عمر بن عبد العزيز فقال
سليمان له : أشر علي يا موسى : فلم تزل مبارك الغزوة في سبيل الله ، بعيد
الأثر ، طويل الجهاد . فقال له موسى : أرى يا أمير المؤمنين أن توجهه بمن معه ،
فلا يمر بحصن إلا صير عليه عشرة آلاف رجل حتى يفرق نصف جيشه ، ثم
يمضي بالباقي من جيشه ، حتى يأتي القسطنطينية ، فإنه يظفر بما يريد يا أمير
المؤمنين . قال : فدعا سلميان مسلمة فأمره بذلك من مشورة موسى وأوعز إليه .
فلما علم مسلمة بالمشورة فكأنه كره ذلك ، وكان في مسلمة بعض الإباية ، ثم
رجع إلى قول موسى فيما صنع بأرض الروم ، حين ظفر ببطريق ليس فوقه إلا
ملك الروم ( 2 ) : فقال البطريق لمسلمة : آمني على نفسي وأهلي ومالي وولدي ،
وأنا آتيك بالملك ، فأمنه ، ومضى البطريق إلى الملك الأعظم ، فأعلمه بما فعل
مسلمة ، وما ظفر به منه ، ومن حصون الروم ، فلما رأى ذلك ملك الروم ، أعظم
ذلك وسقط في يديه . فقال البطريق له عند ذلك : ما لي عليك إن صرفت مسلمة
عنك وجميع من معه ؟ فقال الملك : أجعل تاجي على رأسك ، وأقعدك مكاني .
فقال البطريق : أنا أكفيك ذلك . فرجع البطريق إلى مسلمة ، فقال : أخرني ثلاثا
حتى آتيك بالملك ، فبعث البطريق إلى جميع الحصون ، فأمرهم بالتقلع إلى الجبال ، وحمل ما قدروا عليه من الطعام ، وأمر بإحراق الزرع ، وغير ذلك مما
يؤكل وينتفع به ، مما كان خلفه مسلمة وجنده ( 3 ) ، وما بين المسلمين وملك
هامش
( 1 ) الخبر في الطبري 6 / 530 - 531 وابن الأثير 3 / 244 - 245 باختلاف
( 2 ) هو إليون صاحب أرمينيا . قال المؤرخ الأرمني دينيس : هو إليون المرعشي حاكم عمورية ،
ويبدو أنه من أصل سوري من عناصر الجراجمة الساكنة على حدود الشام . جاء إلى سليمان
يطلب مساعدته للوصول إلى عرش الروم على أن يحكم باسمه - وكان ملك الروم قد مات .
يقول دينيس : إن قصده في الحقيقة كان خداع العرب وإيقاف سفك دماء بني وطنه ، وهذا بالفعل ما وقع منه .
( 3 ) في ابن الأثير : أتى اليون مسلمة فقال له : إن الروم قد علموا أنك لا تصدقهم القتال ، وإنك تطاولهم ما دام الطعام عندك ، فلو أحرقته أعطوا الطاعة بأيديهم ، فأمر به فأحرق ( وكان أمثال
الجبال لأن مسلمة كان قد أمر أن يذخره ، وأمر المسلمين بالإغارة على أراضي الروم وأن
يزرعوا ويتركوا ما جاؤوا به ) فقوي الروم .