وأما في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانت الهدية له ، فان
عزته ومنعته لم تكن بالمسلمين . قال الله تعالى : { والله يعصمك من الناس } ( 1 )
وما كان في حقه توهم الركون بقلبه إذا قبل هداياهم ، فلهذا قبلها في بعض
الأوقات .
واختلفت الصحابة رضي الله عنه ومن بعدهم في جواز قبول ( 2 ) الهدية
من أمراء الجور ، فكان ابن عباس وابن عمر ( 3 ) رضى عنهم يقبلان هدية
المختار ، وهكذا نقل عن إبراهيم النخعي . وكان أبو ذر وأبو الدرداء رضي الله عنهما
لا يجوزان ذلك . حتى روى أن أمير أهدى إلى أبي ذر رضي الله عنه
مئة دينار فجعل يقول : هل أهدى إلى كل مسلم مثل هذا ؟ فقيل : لا .
فردها وقال : { كلا ، إنها لظى : نزاعة للشوى } ( 4 ) .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : للسلطان نصيب من
الحلال والحرام ، فإذا أعطاك شيئا فخذه فان ما يعطيه حلال لك .
وحاصل المذهب فيه أنه إن كان أكثر ماله من الرشوة والحرام لم يحل
قبول الجائزة منه ما لم يعلم أن ذلك له من وجه حلال . وإن كان صاحب تجارة
أو زرع أكثر ماله من ذلك فلا بأس بقبول الجائزة منه ما لم يعلم أن ذلك كله
وجه حرام .
وفى قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدية من بعض المشركين
دليل على ما ذكرنا . وبالله التوفيق .
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، 5 ، الآية 67 .
( 2 ) ه ، ط " قبول هدية من أمير من أمراء الجور " .
( 3 ) " ابن عمر " ساقطة من ط .
( 4 ) سورة المعارج ، 70 ، الآية 15 ، 16 .