" 1 . "
كان الحسن بن فرقد جزريا ، من ديار بيعة ، في شمال الشام ، صار
في جند الشام أيام الأمويين وسكن حرستا في غوطة دمشق ، وأوتي بسطة في
الغنى . ثم انتقل إلى واسط ، فولد له فيها ابنه محمد سنة 132 ه ، وكانت الدولة
الأموية قد زالت ، وبدأ أمر العباسيين .
وانتقل محمد إلى الكوفة فنشأ بها . كانت الكوفة يومئذ مركزا من مراكز
الفقه واللغة والنحو ، كما كانت البصرة مركز الأدب واللغة والنحو . وكانت ملتقى
كبار الفقهاء واللغويين والنحاة ، كأبي حنيفة وأبى يوسف والثوري والكسائي
والفراء وسلمة وثعلب . فأثرت هذه البيئة في تكوين ثقافة محمد بن الحسن ، وجعلته
ينصرف إلى اللغة والشعر وإلى الفقه والحديث ، وساعده على ذلك أن أباه خلف
له - إذ توفى - ثلاثين ألفا ، أنفقها على ذلك . وقد اتصل بشيوخ كثيرين أخذ
عنهم . فلازم أبا حنيفة أربع سنوات فلما توفى سنة 150 ه أتم الفقه على أبى يوسف .
ثم أخذ يرحل إلى الكبار ، فرحل إلى الأوزاعي عالم أهل الشام ، وسفيان
ابن عيينة في مكة ، وعبد الله بن المبارك في خراسان . هذا إلى كثيرين أخذ عنهم
في البصرة . على أن أهم رحلاته كانت إلى مالك في المدينة . فقد لازمه هناك
ثلاث سنوات ، وسمع منه الموطأ مرات . فجمع بذلك طريقة أهل الاستنباط
في الكوفة وهم أهل الرأي ، إلى طريقة مالك وطريقة الأوزاعي . فلما عاد شهر
علمه فأقبل عليه الطلبة من كل مكان . وقصده كثيرون من بلدان بعيدة . وهناك
اثنان كانا من أكثر من قصدة شأنا . الأول أسد بن فرات فاتح صقلية ، فقد كان
رأى مالكا وسمع موطأه ، ثم جاء إلى محمد بن الحسن يسمع الموطأ منه أيضا ،
شرح السير الكبير — صفحة 374
مساهمون: السرخسي
ص٣٧٤