لان أمر الأمان مبنى على التوسع . والتحرز عما يشبه الغدر واجب . فإذا
كان معروفا بينهم فالثابت بالعرف كالثابت بالنص . فلو لم يجعل أمانا كان
غدرا . وإذا لم يكن معروفا فقد اقترن به من دلالة الحال ( 75 آ ) ما يكون
مثل العرف أو أقوى منه ، وهو امتثالهم أمره وما أشار عليهم به ، فهو من
أبين الدلائل على المسألة . ألا ترى أنهم لو قالوا لهم : اخرجوا حتى تهدموا
هذا الحصن فخرجوا كانوا آمنين ؟ .
386 - ثم استدل عليه بحديث عمر رضي الله عنه : أيما رجل
من المسلمين أشار إلى رجل من العدو أن تعال فإنك إن جئت قتلتك .
فأتاه ، فهو آمن .
وتأويل هذا أنه إذا لم يفهم قوله : إن جئت قتلتك أو لم يسمع . فأما
إذا علم ذلك وسمعه وجاءه مع ذلك فهو فئ ، لان دلالة الحال والعرف يسقط
اعتباره إذا صرح بخلافه . ألا ترى أن لو قال : تعالى إن كنت تريد القتال
أو إن كنت رجلا ، أو تعالى حتى تبصر ما أفعله معك ، فإنه لا يشكل على أحد
أن هذا كلام تهديد لا كلام أمان . فأما قوله : تعالى مطلقا فكلام موافقة . وكذلك
إشارته بالأصابع إلى السماء فيه بيان أن أعطيتك ذمة إله السماء ، أو أنت آمن
منى بحق رب السماء . فهو بمنزلة قوله أمنتك .
387 - ولو أن عسكر المسلمين في دار الحرب وجدوا رجلا
أو امرأة ، فقال حين وجدوه : جئت أطلب الأمان . فإن لم يكن لهم
علم به ( 1 ) حتى هجموا عليه فهو فئ ولا يصدق في ذلك .
لأن الظاهر يكذبه فيما يقول . فإنه كان مختفيا منهم إلى أن هجموا عليه .
وإنما يليق هذا بحال من يأتيهم مغيرا لا مستأمنا . فالظاهر أنه يحتال بهذه الحيلة
بعدما وقع في الشبكة فلا يصدق .
هامش
( 1 ) ب ، ق " فإن لم يكن علم بهم "