وإنما جاز ذلك ، لأن ذلك اللفظ زال سماعه فصار في حكم الغائب
البعيد ، والأغلب
في مثله : الإشارة إلى المعنى بلفظ الحضور فتقول : وهذا قسم عظيم ،
وكذلك يجوز الإتيان بلفظ البعيد ، مع أن المشار إليه شخص قريب ،
نظرا إلى عظمة
المشير ، أو المشار إليه ، وذلك لأنه يجعل بعد المنزلة بينهما كبعد
المسافة ، كقول السلطان
لبعض 1 الحاضرين : ذلك قال كذا ، وكقول بعضهم : ذلك السلطان
يتقدم بكذا ،
ومنه قوله تعالى : ( فذلكن الذي لمتنني فيه 2 ) ، ويجوز أن يكون قوله
تعالى : ( ذلك
الكتاب ) 3 ، من باب عظمة المشار إليه ، أو المشير ،
وقوله :
399 - فقلت له والرمح يأطر متنه * تأمل خفافا إنني أنا ذلكا 4
من باب عظمة المشار إليه ،
ويجوز ذكر البعيد بلفظ القريب ، تقريبا لحصوله وحضوره ، نحو : هذه
القيامة
قد قامت ، ونحو ذلك ،
فنقول : اسم الإشارة لما كان موضوعا للمشار إليه إشارة حسية ،
فاستعماله فيما لا
تدركه الإشارة كالشخص البعيد ، والمعاني : مجاز ، وذلك بجعل
الإشارة العقلية كالحسية
مجازا ، لما بينهما من المناسبة ، فلفظ اسم الإشارة الموضوع للبعيد ،
إذن ، أعني ( ذلك )
ونحوه ، كضمير الغائب ، يحتاج إلى مذكور قبل ، أو محسوس قبل ،
حتى يشار إليه
به ، فيكون كضمير راجع إلى ما قبله ،
هامش
( 1 ) أي في شأن بعض الحاضرين ، وذلك أحد
معاني اللام بعد القول ،
( 2 ) الآية 32 من سورة يوسف ،
( 3 ) الآية الثانية من سورة البقرة ،
( 4 ) من شعر خفاف بن ندبة ، وكان قد غزا مع ابن عمه معاوية بن عمرو
، فقتل ابن عمه فقال : قتلني الله إن
برحت مكاني حتى أثار له ، وحديثة في هذا البيت عن موقفه مع قاتل
ابن عمه فهو يقول له : تأمل خفافا
أي تأملني جيدا وانظر إلى فإني أنا ذلك الذي اعتزم أن تأخذ بثأره ،
فتأملني واعرف أني أنا الذي قتلتك ،
ورواية الأبيات في الخزانة : وقلت له . . الخ .