فلا تنصرف إليه أدلّة المنع ، غير أنّ الظاهر أنّ التعلّم هنا قلّما يفارق العمل .
والمتبادر من لفظ الكاهن والكهانة العامل والعمل . وما في إيضاح النافع ( 1 )
من حرمة تعليمها وتعلّمها في شرع الإسلام ; فمبني على الغالب من إرادة
العمل .
( والكاهن ( 2 ) هو الذي له رَئيّ ) - ككمي - تابع للإنسان يتراءَى له ،
هامش
( 1 ) قال العلاّمة الطهراني ، في : الذريعة إلى تصانيف الشيعة : 2 / 502 تسلسل 1964 :
« إيضاح النافع ، في شرح : النافع في مختصر الشرائع ، للشيخ إبراهيم بن سليمان
القطيفي ، المعاصر للمحقق الكركي . وله ( نفحات الفوائد ) الذي ألّفه سنة 945 ه .
ينقل عنه حكايةً الشيخ العلاّمة الأنصاري في مسألة بيع الوقف ، وفي مسألة القدرة
على التسليم ، وصرّح في الأخير بأنّه للشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي المذكور » .
والكتاب لم يطبع ، وليس في المتناول شيء من نسخه المخطوطة .
( 2 ) قال ابن الأثير ، في : النهاية : 4 / 215 : « الكاهن : الذي يتعاطى الخبرَ عن الكائنات
في مستقبل الزمان ، ويدّعي معرفة الأسرار . وقد كان في العرب كَهَنة ، كشِق ،
وسَطِيح ، وغيرهما ، فمنهم من كان يزعم أنّ له تابعاً من الجنّ ورَئِيّاً يُلقي إليه
الأخبار . ومنهم من كان يزعم أنّه يعرف الأُمور بمقدمات أسباب يَسْتَدلّ بها على
مواقعها من كلام مَن يسأله أو فعله أو حاله ، وهذا يخصّونه باسم العرّاف ، كالذي
يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضّالّة ونحوهما . والعرب تسمّي كلّ مَن
يتعاطى علماً دقيقاً : كاهناً . ومنهم مَن كان يسمّي المنجّم والطبيب : كاهناً » . وقد
روى الطبرسي ، في « الاحتجاج : من سؤال الزنديق الذي سأل أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن
مسائل كثيرة ، قال : فمن أين أصل الكهانة ؟ ومن أين يخبر الناس بما يحدث ؟
قال : إنّ الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل ، كان الكاهن بمنزلة
الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأُمور بينهم ، فيخبرهم بأشياء تحدث ،
وذلك في وجوه شتّى : من فراسة العين ، وذكاء القلب ، ووسوسة النفس ، وفطنة
الروح مع قذف في قلبه ، لأنّ ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك
يعلمه الشيطان ويؤديه إلى الكاهن ، ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف . وأمّا
أخبار السماء فإنّ الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك وهي لا تحجب
ولا ترجم بالنجوم ، وإنما منعت من استراق السمع لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل
الوحي من خبر السماء فيلبس على أهل الأرض ما جاءَهم عن الله لإثبات الحجة
ونفي الشبه ، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من
الله في خلقه فيختطفها ، ثم يهبط بها إلى الأرض فيقذفها إلى الكاهن ، فإذا قد زاد
كلمات من عنده فيختلط الحق بالباطل ، فما أصاب الكاهن من خبر ممّا كان يخبر
به فهو ما أدّاه إليه شيطانه ممّا سمعه ، وما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه ، فمذ
مُنعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة . واليوم إنّما تؤدّي الشياطين إلى
كهّانها أخباراً للناس مما يتحدثون به وممّا يحدثونه ، والشياطين تؤدّي إلى الشياطين
ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق ، وقاتل قتل ، وغائب غاب ، وهم
بمنزلة الناس أيضاً ، صدوق وكذوب » . رواه عنه في : بحار الأنوار : 10 / 168 . قال
العلاّمة المجلسي ، في : بحار الأنوار : 15 / 402 : « وروي عن أبي حازم ، قال : قدم
كاهن مكّة ، ورسوله الله ابن خمس سنين ، وقد قدمت به ظئره إلى عبد المطّلب ،
وكانت تأتيه به في كل عام ، فنظر إليه الكاهن مع عبد المطّلب ، فقال : يا معشر
قريش اقتلوا هذا الصبي فإنّه يفرّقكم ويقتلكم ، فهرب به عبد المطّلب ، فلم تزل
قريش تخشى من أمره ما كان الكاهن حذّرهم من أمره » . وروى ثقة الإسلام
الكليني ، في : الأُصول من الكافي : 1 / 473 - باب مولد أبي عبد الله جعفر بن محمد
( عليه السلام ) / الحديث ( 3 ) بسنده : « عن رفيد مولى عمر بن يزيد بن هبيرة ، قال : سخط
عليّ ابن هبيرة وحلف عليّ ليقتلني ، فهربت منه ، وعذت بأبي عبد الله ( عليه السلام ) فأعلمته
خبري ، فقال لي : انصرف واقرأه منّي السلام ، وقل له : إنّي قد أجرت عليك مولاك
رفيداً فلا تهجه بسوء . فقلت له : جُعِلتُ فداك ; شامي خبيث الرأي . فقال : إذهب
إليه كما أقول لك ، فأقبلت ، فلمّا كنت في بعض البوادي استقبلني أعرابي ، فقال :
أين تذهب ، إنّي أرى وجه مقتول ، ثمّ قال لي : أخرج يدك ، ففعلت ، فقال : يد
مقتول ، ثمّ قال لي : أبرز رجلك ، فأبرزت رجلي ، فقال : رجل مقتول ، ثم قال
لي : أبرز جسدك ، ففعلت ، فقال : جسد مقتول ، ثم قال لي : أخرج لسانك ،
ففعلت ، فقال لي : امض ، فلا بأس عليك ، فإنّ في لسانك رسالة لو أتيت بها
الجبال الرواسي لانقادت لك . قال : فجئت حتى وقفت على باب ابن هبيرة ،
فاستأذنت ، فلمّا دخلت عليه ، قال : أتتك بحائن رجلاه ، يا غلام ; النطع والسيف .
ثمّ أمر بي فكتفت ، وشدّ رأسي ، وقام السيّاف ليضرب عنقي . فقلت : أيّها الأمير لم
تظفر بي عنوة ، وإنّما جئتك من ذات نفسي ، وههنا أمر أذكره لك ثمّ أنت وشأنك .
فقال : قل . فقلت : اخلني ، فأمر مَن حضر فخرجوا ، فقلت : جعفر بن محمد
يقرئك السلام ويقول لك : قد أجرت عليك مولاك رفيداً فلا تهجه بسوء . فقال :
والله لقد قال لك جعفر بن محمد هذه المقالة وأقرأني السلام ، فحلفت له ، فردّها
عليّ ثلاثاً ، ثمّ حلّ كتافي ، ثمّ قال : لا يقنعني منك حتى تفعل بي ما فعلتُ بك ،
قلت : ما تنطلق يدي بذاك ولا تطيب به نفسي ، فقال : والله ما يقنعني إلاّ ذاك ،
ففعلت به كما فعل بي وأطلقته ، فناولني خاتمه ، وقال : أُموري في يدك ، فدبّر فيها
ما شئت » .