عثمان ، فقال : هو محصور . قال عمرو : أنا أبو عبد الله ، قد يضرط العير
والمكواة في النار ( 139 ) .
كذلك كان عمرو بن العاص ، تحركه المصلحة ، وتملي عليه في الاختيارات
الانتهازية . تحرك ضد عثمان لما عزله ، ولم يوسع عليه في الإمارة مثل ما فعل
بمعاوية . وهو لا يهمه أن تتقوى عشيرة بني عبد مناف . فهو أصلا لم يحص له
التاريخ نسبا يفتخر به ، وقد عرف بابن النابغة ، لأنه وليد نمط معين من الزنا كان
معروفا لدى الجاهليين ( 140 ) ، فهو ليس ابن الفراش ، لذا فإن ظروفه النفسية
والاجتماعية مهيأة لسلوك هذا النوع من الاختيارات المزدوجة . فكان الدافع
الاقتصادي والعشائري ، إحدى محفزاته ضد عثمان . وكان بإمكان معاوية أن
يذود عن عثمان ويمنع عنه الثوار ولو بالقمع . وكانت أمامه مندوحة للتعجيل
بالقدوم ، لنصرة عثمان بجيش الشام . غير أن معاوية أبى إلا أن يمارس دهاءه
البطئ والهادئ . إنه لا يريد لعثمان أن يقتل ولكنه في سبيل الملك قد يفعل .
وكان قد كتب إليه عثمان أن يعجل في المجئ إليه ، فتوجه إليه في اثني عشر ألفا ،
ثم قال : كونوا بمكانكم في أوائل الشام ، حتى آتي أمير المؤمنين لأعرف صحة
أمره ، فأتى عثمان ، فسأله عن المدة ، فقال : قد قدمت لأعرف رأيك وأعود إليهم
فأجيئك بهم . قال : لا والله ، ولكنك أردت أن أقتل فتقول : أنا ولي الثأر .
إرجع ، فجئني بالناس ! فرجع ، فلم يعد إليه حتى قتل ( 141 ) .
كانت هناك شريحة في داخل جهاز السلطة العثماني ، تريد أن تركب موجة
التغيير ، لتغير مجراها إلى قصيتها . ورموز هذا التيار ، هما ( معاوية بن أبي
سفيان ) و ( عمرو بن العاص ) . ذلك إن معاوية وبحكم النفوذ الواسع الذي
اكتسبه في بلاد الشام ، حيث أصبح واسع الإمارة ، لما انضافت إليه إمارة فلسطين
هامش
( 139 ) - التاريخ الكامل لابن الأثير / ج 3 ص 163 .
( 140 ) - هو أن يدخل مجموعة من الرجال على امرأة يطؤونها ، فإذا حملت ، تختار واحدا منهم ، وتشير
إليه ، فيلحق به الولد .
( 141 ) - تاريخ اليعقوبي / ج 3 / ص 175 .