( وقد ذكرنا في الفتوحات أنّ الأثر لا يكون إلا للمعدوم لا للموجود ) ، فإنّ التوجّه نحو الأثر إنما يتصور عند فقد المتوجّه ما يستحصل بذلك الأثر ، فذلك المتوجه إمّا أصل القابليّة الأولى ، الفاقدة سائر الأسماء ، الخالية عن الكلّ حتى الرحمة والوجود ، فإنّها الطالبة إيّاها ، المستجلبة لها ، المؤثّرة فيها فذلك الأثر للمعدوم ، لا للموجود . وأمّا حقيقة الحقائق عند تطوّرها في أطوار المراتب الاستيداعيّة منها والاستقراريّة ، فذلك الأثر ( وإن كان للموجود ) ولكن إذ كان التوجّه له نحو الأثر إنما ينبعث عند عثوره بفقد المستحصل به ، الحاصل منه ، يكون الحكم والقهرمان في هذه الصورة أيضا للمعدوم وإليه أشار بقوله : ( فبحكم المعدوم ) .
وهذا يناسب ما تسمع الحكماء يقولون : « إنّ الغاية علَّة عليّة الفاعل » وهي حينئذ معدومة ، وإن كان ذوو النظر منهم يعكسون القضيّة ويحكمون جزما بأنّ الأثر إنما يكون للموجود ، والمعدوم لا أثر له ويجعلون هذا الحكم مبادئ مسائلهم ومباني أصولهم ومقاصدهم . ولذلك قال :
هامش
( 1 ) راجع الفتوحات المكية : 3 / 408 ، الباب السبعون وثلاثمائة .
( 2 ) وكما قالوا : « إن الغاية سابقة علما وماهية ، ولاحقة وجودا وعينا » وذلك كذلك ، ولكنهم كانوا يقولون بالوجود الإلهي في الغايات التي تتقدم علما وتتأخر وجوداً خارجيا ؛ فكل من يقول بتأثير العين المعدومة إن أراد من العدم والمعدومية الليسية البحتة والمعدومية المحضة ، بحيث لا يقارن وجودا لها أصلا ، فهو بعينه القول بثبوت المعدومات منفكة عن الوجود رأسا ، كما هو سفسطة أهل الاعتزال ؛ وإن أراد منه الانفكاك عن نحوي الوجود أي الوجود المحض بالعين الذي يترتب عليه أثرها الخاص ، مع كونه غير منفك عن مطلق الوجود كما فيما نحن فيه عند المحققين المحقين ، الذين هم أولياء العلم والمعرفة فهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [ . . . ] نوري .
( 3 ) د : مبادي .