الوجود الواحد يقتضي التقابل بما يستلزمه من الجهتين المختلفتين في الأمر الواحد ، وهو الطبيعة المقتضية للأمور المتضادة .
( ثم إن هذا الشخص الإنسانى عجن طينته بيده وهما متقابلتان ، وإن كانت كلتا يديه يمينا فلا خفاء بما بينهما من الفرقان ، ولم يكن إلا كونهما اثنتين أعنى يدين ، لأنه لا يؤثر في الطبيعة إلا ما يناسبها وهي متقابلة فجاء باليدين ) ولما كانت الطبيعة مقتضية للتقابل كانت الأسماء الإلهية متقابلة لأنه لا يؤثر في الطبيعة إلا ما يناسبها ، فأخبر أن الله تعالى عجن طينة آدم أي الشخص الإنسانى بيديه وهما المتقابلان من أسمائه ، وهو وإن كانتا كلتاهما يمينا أي متساويتين في القوة فالفرق بينهما ظاهر ، فإن الجلال والجمال والقهر واللطف لا خفاء في تقابلهما ، وكذا الفعل والانفعال والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة في الطبيعة ، ولو لم يكن في تقابلهما إلا كونهما اثنين اكتفى في تقابلهما ، فعبر عن كل متضادين باليدين .
( ولما أوجده باليدين سماه بشرا للمباشرة اللائقة بذلك الجناب باليدين المضافتين إليه ، وجعل ذلك من عنايته لهذا النوع الإنسانى ، فقال لمن أبى عن السجود له - * ( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ ) * - على من هو مثلك يعنى عنصريا - * ( أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ ) * - عن العنصر ولست كذلك ) المباشرة اللائقة بالجناب الإلهي باليدين هو التوجه نحوه بإيجاده الأسماء المتقابلة وذلك من كمال عنايته ، ولهذا وبخ إبليس بالامتناع عن سجود من خلقه باليدين ، أي بالجمع بين الصفات المتقابلة ، فيه إشارة منه تعالى إلى فضل من توجه إليه في إيجاده باليدين على من ليس كذلك ( ويعنى بالعالين من علا بذاته عن أن يكون في نشأته النورية عنصريا وإن كان طبيعيا ، فما فضل الإنسان غيره من الأنواع العنصرية إلا بكونه بشرا من طين ، فهو أفضل نوع من كل ما خلق من العناصر من غير مباشرة باليدين ) العالون : هم الملائكة المهيمون في سبحات جمال وجه الحق لفناء خليقتهم ، لغلبة أحكام الوجوب في نشأتهم عن أحكام الإمكان لنشأتهم النورية وفنائهم عن أنفسهم ، فما فضل الإنسان غيره من الكائنات العنصرية بكونه نوريا بل بكونه بشرا من طين باشر الله خلقه
شرح
فظهر أن الرسوب الرطوبة والبرودة ، والإسراع للدواء ، فاختلف العالم بالكيفيات المختلفة في الطبيعة اه ( باليدين ) المناسبتين للطبيعة في التقابل ، فعلم منه أنه لا تؤثر العلة في المعلول إلا بشرط وجود المناسبة بينهما فأوجد آدم باليدين لهذا اه بالى .
( العالين ) هم الملائكة المهيمون والملائكة المقربون ، كجبريل وغيره من ملائكة العرش والكرسي اه قال المحققون : رسل الملائكة أفضل من عامة البشر ، فكل واحد من الإنسان والملائكة العالين فاضل ومفضول ، فالإنسان من حيث حقيقته الجامعة لجميع المراتب أفضل من الموجودات العنصرية والطبيعية فكان الإنسان أفضل من الملائكة العالين عن ذلك الوجه ، والعالون أفضل من الإنسان من حيث أنه لم تكن نشأتهم النورية عنصرية وإليه أشار بقوله ( ويعنى بالعالين ) فالمراد بالخيرية بالنص الإلهي هي هذه الخيرية لا الخيرية