( فكن حقا وكن خلقا
تكن باللَّه رحمانا )
هذا تمام المدعى : أي كن بنور حبك حقا بحسب الحقيقة ، وكن خلقا بحسب الصورة البشرية ، فتقوم بك من حيث حقيقتك جميع الأسماء الإلهية ، وتعم بخليقتك جميع الحقائق والأعيان فتعم الحق بحقيقتك الجامعة للذات الإلهية والأسماء كلها ، وتعم الخلق من رحمة الله وفيضه الواصل إلى العالم كله من حيث أنك خليفته على العالم ورابطة وجوده ، وتقوم بجميع ما يحتاج إليه العالم فوسع الحق والخلق بعين ما وسع الحق بك ذلك فتكون رحمانا لعموم وجودك وسعة رحمتك وجودك :
( وغذ خلقه منه
تكون روحا وريحانا )
إشارة إلى ما سبق من أن الحق بالوجود غذاء الخلق ، إذ به قوامه وبقاؤه وحياته كالغذاء الذي به قوام المتغذى وبقاؤه وحياته ، فغذ أنت بالوجود الحق لأنك النائب في ذلك عن الله ، وقد تغذى الحق بأحكام الكون وصور الخلق كما تقرر من قبل ، فظهر له بذلك أسماء وصفات ونعوت وأحكام ونسب وإضافات ، فيكون هذا روحا للحقائق الكونية العدمية تريحها بالوجود عن العدم وتروحها عن ظلمتها بنور القدم ، وتكون ريحانا للوجود الحق بالروائح الحقيقية الكائنة والنشأة الصورية الإمكانية :
( فأعطيناه ما يبدو
به فينا وأعطانا
فصار الأمر مقسوما
بإياه وإيانا )
أي أعطينا الحق من قابلياتنا ما يظهر به فينا بنا ، وأعطانا الوجود الذي به ظهرنا ، فصار الأمر الوجودي ذا وجهين : نسبة إلينا ، ونسبة إليه تعالى ، منقسما باعتبار العقل لا في العين إلى قسمين : قسم له منا ، وقسم لنا منه ، وقد وضع الضمير المنصوب المنفصل موضع المجرور المتصل ، لأن المراد اللفظ أي بهذين اللفظين ، كأنه قال : بأن أعطينا الظهور بنا إياه وأعطى الوجود به إيانا .
( فأحياه الذي يدرى
بقلبي حين أحيانا )
شرح
( فكن حقا ) بحقيقتك وروحك ( وكن خلقا ) بنشأتك العنصرية ( تكن باللَّه رحمانا ) أي عام الرحمة بإفاضتك الكمالات الإلهية على عباده اه ( وغذ خلقه منه ) أي من الله ( تكن روحا ) أي غذاء روحانيا لخلقه يغتذي بك ويتلذذ بك ( وريحانا ) حتى تشم من نفحات أنسك مع الحق .
( فأعطيناه ما يبدو . به ) أي أعطينا الحق ما يظهر به من صور استعدادنا ( فينا ) من الأسماء والصفات كالحياة والعلم والقدرة فيظهر فينا بهذه الصفات بحسب استعدادنا ، وفاعل ما يبدو ضمير عائد إلى الحق ، وبه عائد إلى الموصول ( وأعطانا ) ما ظهرنا به من وجودنا وأحوالنا اه ( فصار الأمر مقسوما بإياه ) أي بما أعطيناه إياه ( وإيانا ) أي بما أعطاه إيانا اه بالى .
( فأحياه ) الضمير القلب المؤخر لفظا المقدم معنى : أي أحيا قلبي بالحياة العلمية ( الذي يدرى . بقلبي ) أي يعلم قلبي واستعداده الأزلي ( حين أحيانا ) بالحياة الحسية .