أهل الملل في عيسى ما هو ؟ فمن ناظر فيه من حيث صورته الإنسانية البشرية فيقول هو ابن مريم ، ومن ناظر فيه من حيث الصورة الممثلة البشرية فينسبه إلى جبريل ، ومن ناظر فيه من حيث ما ظهر عنه من إحياء الموتى فينسبه إلى الله بالروحية فيقول روح الله : أي به ظهرت الحياة فيمن نفخ فيه ) أي لما اختلفت فيه الحيثيات الثلاث نسبه كل واحد من الناظرين إلى ما غلب عليه في ظنه بحسب نظره ، فمن نظر فيه من حيث ما رأى منه من إحياء الموتى المختص باللَّه نسبه إلى الله بالروحية فقال إنه روح الله وكلمة الله . وقد اختلف في هذه الجهة دون الأولين لقصور النظر في الجهة الأولى ، فمنهم من قال هو الله ومنهم من قال هو ابن الله على الخلاف المشهور بين المسيحيين ( فتارة يكون الحق فيه متوهما اسم مفعول ، وتارة يكون الملك فيه متوهما ، وتارة تكون البشرية الإنسانية فيه متوهمة فيكون عند كل ناظر بحسب ما يغلب عليه ، فهو كلمة الله وهو روح الله وهو عبد الله ، وليس ذلك في الصورة الحسية لغيره ) أي ليس ذلك الخلاف في الصورة الحسية بسبب التوهمات لغير عيسى ، لأنه تكون بنفخ الروح الأمين من غير أب وصدر منه الفعل الإلهي ، وكان أحد جزأى طينته ماء متوهما ، وغيره لم يكن كذلك ( بل كل شخص منسوب إلى أبيه الصوري لا إلى النافخ روحه في الصورة البشرية ، فإن الله إذا سوى الجسم الإنسانى كما قال - * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ) * - نفخ فيه هو تعالى من روحه فنسب الروح في كونه وعينه إليه تعالى ، وعيسى ليس كذلك فإنه أدرجت تسوية جسمه وصورته البشرية بالنفخ الروحي وغيره كما ذكرنا لم يكن مثله ) هذا تقرير لما ذكر من أن صورة عيسى روحانية غلبت عليها الصورة الممثلة المثالية المنتسبة إلى النفخ بخلاف سائر البشر ، لأن كل شخص إذا سوى الله جسمه الصوري نفخ فيه روحه بعد تسوية جسده فنسب الروح في كونه وعينه إلى الله ، بخلاف عيسى فإنه نفخ في أمه مادة جسده فسوى جسده وصورته البشرية بعد النفخ فصارت الروحانية جزء جسده ( فالموجودات كلها كلمات الله التي لا تنفد فإنها عن كن ، وكن كلمة الله فهل تنسب الكلمة إليه بحسب ما هو عليه فلا يعلم ماهيتها ، أو ينزل هو تعالى إلى صورة من يقول كن فيكون قول كن حقيقة لتلك الصورة التي نزل إليها وظهر فيها فبعض العارفين يذهب إلى الطرف الواحد ، وبعضهم إلى الطرف الآخر ، وبعضهم يحار في الأمر ولا يدرى )
شرح
( فهو كلمة الله ) لكونه حاصلا عن نفخ جبريل ( وهو روح الله ) لظهور الحياة به فيمن نفخ ( وهو عبد الله ) لكونه على الصورة البشرية ( وليس ذلك ) الاجتماع ( لغيره ) اه بالى .
( وكن كلمة الله ) فتنسب كلمة كن إلى الله إما بحسب مرتبة الألوهية وإما بحسب نزوله إلى صورة من يقول كن لإحياء الموتى ، وإليه أشار بقوله ( فهل تنسب الكلمة إليه تعالى ) اه ( للطرف الواحد ) هو أن الله متكلم بكلمة كن في مقام ألوهيته ( والطرف الآخر ) أن الله متنزل في صورة من يتكلم بكن ، فالخالق للعبد بإذن الله والحيرة في أنه هل هو من الحق أم من العبد ، ومعلوم أنه من الخصائص الإلهية لأن هذا