( ومن قلد صاحب نظر فكري وتقيد به ، فليس هو الذي ( ألقى السمع ) . فإن
هذا الذي ( ألقى السمع ) لا بد أن يكون شهيدا لما ذكرناه ، ومن لم يكن شهيدا لما
ذكرناه ، فما هو المراد بهذه الآية . فهؤلاء هم
الذين قال الله تعالى في حقهم : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ) . والرسل لا يتبرؤون من اتباعهم الذين اتبعوهم .
فحقق يا ولى ما ذكرته لك في الحكمة القلبية . ) إنما كان صاحب نظر فكري غير
معتبر عند أهل الله ، لأن المفكرة قوة جسمانية ( 14 ) يتصرف فيها الوهم تارة ،
والعقل أخرى ، فهي محل ولايتها ، والوهم ينازع العقل . والعقل لانغماس آلته
في المادة الظلمانية ، لا يقدر على إدراك الشئ إدراكا تاما ، خصوصا مع
وجود المنازع ، ولا يسلم مدركاته عن الشبه النظرية ، فيبقى صاحبه لا يزال شاكا
أو ظانا فيما أدركه . بخلاف أرباب اليقين ، فإنهم يشاهدون الأشياء بنور ربهم لا
بتعلمهم وتفكرهم . والقوة الخيالية ، وإن كانت جسمانية ، لكنها بمنزلة البصر
للقلب ومدركاته محسوسة ، فيحصل بها اليقين . فمن قلد لمن لا يكون على يقين ،
فقد خاب وخسر ، إذ ليس ممن ( ألقى السمع ) ، ولم يحصل له الشهود ، ويدخل
فيمن قال الله تعالى في حقهم : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ) . أي ،
المتبوعون من تابعيهم .
ولما كان هذا التنبيه أصلا عظيما لأرباب السلوك ، وصى بتحقيقه ، أي ،
بجعله حقا ثابتا ، وإمعان النظر في حقيقته ، لئلا يقلدوا أرباب النظر
بترك الشرائع ، فيقعون في الغواية ، و ( يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) . كما في زماننا
هذا .
( وأما اختصاصها بشعيب ، لما فيها من ( التشعب ) ، أي ، شعبها لا تنحصر ،
هامش
( 14 ) - وأما القوة المفكرة فليست بجسمانية ، وإن البراهين قائمة على تجرد جميع القوى الباطنية
للنفس الإنسانية ، والشيخ الأكبر أيضا قائل بتجرد الخيال . وأول من أقام البرهان التام
على تجرد القوى الغيبية التي للنفوس ، وأجاب عن الشكوك ، هو صدر أعاظم الحكماء
وأفاخم العرفاء ، صاحب كتاب الأسفار ، رضي الله عنه . ( ج )