من ذلك . ( فما هو ذكرى لمن كان له عقل . ) الضمير عائد إلى المشار إليه بذلك ،
وهو القرآن ، أي ، القرآن ليس ذكرى لمن يريد أن يدرك الأشياء بالعقل . ( وهم
أصحاب الاعتقادات الذين يكفر بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا ، وما لهم من
ناصرين . ) أي ، أصحاب الاعتقادات الجزئية . وإنما نسبهم إلى العقل ، لكون
عقولهم أعطت لهم التقيد بتلك الاعتقادات بحسب إدراكاتهم . ولو كان مبدأ
اعتقاداتهم قلوبهم ، لما كانوا مقيدين بها ، كما لم يتقيد القلب ، فكانوا من العابدين
للحق في صور شؤونه كلها . ولما تقيد كل منهم باعتقاد خاص ، ظن أن الحق
هو الذي اعتقده فقط ، وغيره باطل ، فكفر بعضهم
بعضا ، ولعن بعضهم بعضا ، فما لهم من ناصرين .
( فإن إله المعتقد ماله حكم في إله المعتقد الآخر . ) لما كان لكل من أرباب
العقائد الخاصة ربا خاصا يربه في صورة معتقده ، لا يمكن لكل من أربابها أن
ينصر عبد رب آخر ، إذ ليس له تلك الوجهة التي للآخر من الله ، كما قال تعالى :
( ولكل وجهة هو موليها ) . لكن لكل أن ينصر عبده .
فليس المراد ب ( الإله ) هنا ، الرب الحاكم على المعتقد ، بل المراد منه الإله
المجعول الذي اتخذه المعتقد بتصوره وتعمله إلها . وهذا الإله لا يقدر أن ينصر
معتقده ، فكيف تقدر أن ينصر معتقدا آخر يضاده وينافيه قد والفرق بين الإله
المجعول بحسب الاعتقاد ، وبين الأصنام التي عبدت ، أنها مجعولة في الخارج ،
وهو مجعول في الذهن . بل صاحب الاعتقاد ينصر إلهه ويدفع عنه ، وهو عاجز عن
نصرته ودفع المكاره عنه . وإليه أشار بقوله : ( فصاحب الاعتقاد يذب عنه ، أي ،
عن الأمر الذي اعتقده في إلهه وينصره . وذلك الذي في اعتقاده لا ينصره . ) أي ،
صاحب الاعتقاد يدفع عن الإله الذي اعتقده ما ينافيه ويخالفه ، وينصره ، وذلك
الإله لا ينصر صاحب الاعتقاد ، لأنه مجعوله ، والمجعول لا يمكن أن يكون أقوى
من جاعله لينصره .
( فلهذا لا يكون له أثر في اعتقاد المنازع له . وكذا المنازع ما له نصرة من إلهه
شرح فصوص الحكم — صفحة 779
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٧٧٩