( فكان اصفرار وجوه الأشقياء في موازنة إسفار وجوه السعداء في قوله تعال :
( وجوه يومئذ مسفرة ) . من ( السفور ) وهو الظهور . كما كان ( الاصفرار ) في أول يوم
ظهور علامة الشقاء في قوم صالح . ثم جاء في موازنه ( الاحمرار ) القائم بهم ، قوله
تعالى في السعداء : ( ضاحكة ) ) أي ، ( وجوه يومئذ ضاحكة مستبشرة ) .
( فإن الضحك من الأسباب المولدة لاحمرار الوجوه . فهي في السعداء إحمرار
الوجنات . ثم جعل في موازنة تغير بشرة الأشقياء بالسواد قوله تعالى : ( مستبشرة )
وهو ما أثره السرور في بشرتهم ، كما أثر السواد في بشرة الأشقياء . ولهذا قال ) أي ،
الحق . ( في الفريقين بالبشرى ، أي ، يقول لهم قولا يؤثر في بشرتهم ، فيعدل بها إلى
لون لم تكن البشرة يتصف به قبل هذا ، فقال في حق السعدا : ( يبشرهم ربهم برحمة منه
ورضوان وجنات لهم ) . وقال في حق الأشقياء : ( فبشرهم بعذاب اليم ) . فأثر في
بشرة كل طائفة ما حصل في نفوسهم من أثر هذا الكلام ، فما ظهر عليهم في ظواهرهم
إلا حكم ما استقر في بواطنهم من المفهوم ) . أي ، من مفهوم ( الكلام ) . ( فما أثر
فيهم سواهم ، كما لم يكن ( التكوين ) إلا منهم ( 9 ) فلله الحجة البالغة ) . هذا ( الكلام )
رجوع إلى ما كان في تقريره أولا ، أي ، هم الذين يؤثرون في أنفسهم بحسب
استعداداتهم وقبولهم لفيض الحق وأمره لا غيرهم ، كما لم يكن ( التكوين ) إلا
منهم . فلله الحجة البالغة على الناس في كونهم سعداء وأشقياء : ( فما ظلمهم الله
ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) . لأن الحق يعطى الوجود : فإن استحقوا خيرا ، أعطاهم وجوده ، وإن استحقوا شرا ،
أعطاهم وجود ذلك . ( فمن فهم
هذه الحكمة وقررها في نفسه وجعلها مشهودة له ، أراح نفسه من التعلق بغيره .
وعلم أنه لا يؤتى عليه بخير ولا بشر إلا منه . وأعنى بالخير ما يوافق غرضه ويلائم طبعه
ومزاجه ، وأعنى بالشر مالا يوافق غرضه ولا يلائم طبعه ولا مزاجه . ويقيم صاحب
هذا الشهود معاذير الموجودات كلها عنهم وإن لم تعتذروا ، ويعلم أنه منه ) أي ، من
نفسه . ( كان ) أي ، حصل . ( كل ما هو فيه ، كما ذكرناه أولا في أن العلم تابع
هامش
( 9 ) - ( وگر شادى است ما را ور غم از ماست ) .