وقد يتأثر من القوى الوهمية المدركة الجزئية فقط ، فتظهر فيه صورة تناسبها .
والثاني ، قد يكون بسبب سوء مزاج الدماغ ، وقد يكون بحسب توجه النفس
بالقوة الوهمية إلى إيجاد صورة من الصور ، كمن يتخيل صورة محبوبه الغائب عنه ،
تخيلا قويا ، فيظهر صورته في خياله ، فيشاهده . وهذا أمر عام يقدر على
ذلك العارف بالحقائق وغيره من العوام - ذكر الشيخ ( رض ) هنا هذا المعنى ، ونبه
أن العارف يخلق بهمته ، أي بتوجهه وقصده بقوته الروحانية ، صورا خارجة
عن الخيال موجودة في الأعيان الخارجية ، كما هو مشهور من البدلاء بأنهم
يحضرون به في آن واحد أماكن مختلفة ، ويقضون حوائج عباد الله . فالمراد ب
( العارف ) هنا ، الكامل المتصرف في الوجود ، لا الذي يعرف الحقائق وصورها
ولا تصرف له .
وإنما قال : ( ما يكون له وجود من خارج محل الهمة ) أي ، خارج الخيال
الذي لنفسه ، احترازا عن أصحاب السيمياء والشعبذة ، فإنهم يظهرون صورا
خارجة من خيالاتهم ، لكن ليست خارجة من مقام الخيال ، لظهورها في
خيالات الحاضرين بتصرفهم فيها . والعارف المتمكن في التصرف بهمته يخلق ما
يخلق في عالم الشهادة قائما بنفسه كباقي الموجودات العينية . والغيب أيضا كالصور
الروحانية التي يخلقها ، فيدخل بها في عالم الأرواح . ولا ينبغي أن تتأبى وتشمأز
نفسك من إسناده الخلق إلى المخلوق ، فإن الحق سبحانه هو الذي يخلقها في
ذلك المظهر لا غيره ، إلا أن الخلق يظهر حينئذ من مقامه التفصيلي كما يظهر من
مقامه الجمعي . ومن هنا يعلم سر قوله : ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) .
( ولكن لا تزال الهمة تحفظه ) أي ذلك المخلوق . ( ولا يؤدها ) أي ، لا
يغفل الهمة حفظه . أي حفظ ما خلقته .
( فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق عدم ذلك المخلوق ) . لانعدام
المعلول بانعدام علته . ( إلا أن يكون العارف قد ضبط جميع الحضرات ، وهو لا
يغفل مطلقا ، بل لا بد له من حضرة يشهدها . فإذا خلق العارف بهمته ما خلق ، وله
به الإحاطة ، ظهر ذلك الخلق بصورته ) أي ، ظهر ذلك المخلوق على صورته ( في
شرح فصوص الحكم — صفحة 632
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٦٣٢