فيمن أنت خلقت على صورته . وإن لم تجد ما في نفسك على ما هي عليه ، لا
يمكنك الاطلاع على الحقائق الإلهية وأحوالها . و ( كل ميسر لما خلق له ) .
والامتياز العلمي أيضا إنما هو في المقام القلبي لا الروحي .
( فمنا من يعرف أن في الحق وقعت هذه المعرفة لنا بنا ، ومنا من يجهل الحضرة
التي وقعت فيها هذه المعرفة بنا - ( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) . ) أي ، فمنا من
يعرف أن في مرآة ذات الحق وحضرة علمه وقعت هذه المعرفة لنا ، أي معرفة
بعضنا بعضا بنا ، أي بإعطاء أعياننا ذلك العرفان بحكم المناسبة الواقعة بينها .
ومنا من يجهل تلك الحضرة والتعارف الواقع بين الأعيان ، بسبب الغواشي الناتجة
من النشأة العنصرية والأطوار التي يظهر فيها العين الإنسانية إلى حين وصولها إلى
هذه الصورة الألفية ، كما قال :
( وأظنها نسيت عهودا بالحمى * ومنازلا بفراقها لم يقنع )
ولما كان الأول حال أهل الكمال المحبوبين المعنى بهم الذين لا يحجبهم جلال الحق عن
جماله ، كالمحجوبين بالخلق عن الحق ، ولا جماله عن جلاله ،
كالمحجوبين بالحق عن الخلق ، وهم المهيمون الباقون في الجمع المطلق ، والثاني
حال المحجوبين المطرودين الذين لا يبالي بهم ، قال ( ( أعوذ بالله أن أكون
من الجاهلين ) . ) ( وبالكشفين معا ما يحكم علينا إلا بنا ) . أي الكشف الأول يعطى
أن الموجود هو الحق لا غير ، وهو الظاهر في مرايا الأعيان والخلق في العدم ،
والكشف الثاني يعطى أن الموجود هو الخلق الظاهر في مرآة وجود الحق والحق في
غيبه . والكشف الجامع بينهما معا - وهو مقام الكمال المحمدي ، صلى الله عليه
وسلم ، شهود الحق في عين الخلق والخلق في عين الحق جمعا من غير احتجاب بأحد
هما عن الآخر - يعطى أن ما يحكم الحق علينا بحكم من الأحكام إلا بسبب اقتضاء
أعياننا ذلك الحكم .
شرح فصوص الحكم — صفحة 585
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٨٥