عليه السلام ، كانت مستفادة من حيث الباطن من الخلة المحمدية الثابتة لحقيقته
أولا وآخرا ، كنبوته ، بل نبوة جميع الأنبياء وكمالاتهم أيضا كذلك . ومن تحقق
أن روحه ، عليه السلام ، أبو الأرواح جميعا ، لا يستغرب أن يكون كماله أصل
جميع الكمالات . فخلته ذاتية كنبوته ، وخلة غيره عرضية كنبوته . كما مر من أن
غيره لا يكون نبيا إلا عند الاتصاف بالوجود الشهادي ، وهو نبي حال كونه
في الغيب ، لأن غيره ما دام في الغيب ، محكوم بحكمه . لذلك كان جميعهم تحت
لوائه يوم القيامة ، فإن الآخر مطابق للأول . ولذلك قال حين التجاء الناس إليه
وقالوا : اشفع لنا ، فإنك خليل الله : ( إنما كنت خليلا من وراء وراء ) . هذا من
حيث المغايرة بينهما . وأما من حيث أحدية عينهما وكون إبراهيم مظهرا من
مظاهره الكلية ، فالفرق بحسب المرتبة الكمالية الختمية ، إذ كمال الخاتم للمقام
أعلى وأرفع من كمال الغير الخاتم . والمراد ب ( الروح ) في البيت المستشهد ،
الروح الحيواني الساري في جميع أجزاء البدن ، أي : سريت في ذاتي وقلبي .
كسريان الروح الحيواني في مسالكه .
فأورد ( رض ) مثالين : أحدهما عقلي ، كقول الشاعر ، لأن التخلل
عشق المحبوب مسالك الروح من المحب العاشق ، وسريانه في جوهر ذاته أمر
عقلي . والآخر حسي ، كقوله : ( كما يتخلل اللون المتلون ، فيكون العرض بحيث
جوهره ما هو كالمكان والمتمكن ) . أي ، تخلل الخليل ، عليه السلام ، الذات الإلهية
بالاختفاء فيها والاتصاف بصفاتها ، كما يتخلل اللون المتلون بسريانه في جميع
أجزاء المتلون بحيث يكون هو هو في الحس . ولا يفرق بينهما بالإشارة الحسية ،
فيكون مكانه عين مكان المتلون ، ولا يكون بينهما امتياز في الحس ، كالمكان
والمتمكن .
شرح فصوص الحكم — صفحة 573
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٧٣