وإنما تحصل المحبة من التجليات الواردة من حضرة الجمال المطلق ،
والهيمان من جلالها على الملائكة المهيمة والمجذوبين من الأناسي ، ولكل
من الكمل المحبوبين أيضا نصيب منه ، إما في بداية أمورهم كالجذبة
قبل السلوك ، أو عند انتهائها كالجذبة بعده ، فتلحقون بها إلى المقصد الأسنى
ويدخلون في حكم المهيمين .
ولما كان إبراهيم ، صلوات الله وسلامه عليه ، أول من تجلى له الحق
بهويته الذاتية السارية في المظاهر الكونية كلها ، وأول من خلع الله عليه صفاته
الثبوتية الحقيقية من أولاد آدم ، عليه السلام ، بعد الفناء فيه والبقاء به - كما ورد
في الخبر الصحيح : ( أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ) . ليكون الآخر مطابقا
للأول ، ويحصل المجازاة له يوم الجزاء - وكان بعد مرتبة التنزيه والتقديس
مرتبة التشبيه ، وتجلى الذات الإلهية له في صور المظاهر موجبا للتشبيه ، أورد
هذه الحكمة عقبيهما ، وقرن بينهما وبين كلمته ، عليه السلام ، لكونه مظهرا
للعشق والخلة : ومن شدة المحبة جعل يطلب في مظاهر الكواكب لظهور النورية
فيها ، ومن غلبة المحبة والهيمان قال : ( لئن لم يهدني ربى لأكونن من الظالمين ) .
أي ، الحائرين في جمال الحق . وعند كمال الهيمان فنى عن نفسه ، وتجلى له الحق ،
فبقى بالحق في مقام الجمع والفرق ، وأدركه في مظاهر سماوات الأرواح
وأرض الأجسام والأشباح . فقال : ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات
شرح فصوص الحكم — صفحة 570
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٧٠