( ونوح دعا قومه ليلا من حيث عقولهم وروحانيتهم ، فإنها غيب ، ونهارا
دعاهم أيضا ، من حيث صورتهم وحسهم ) وفي بعض النسخ : ( وجثثهم ) جمع
( الجثة ) . أي ، أبدانهم . ومعناه : تارة دعاهم من حيث عقولهم المعطية للتنزيه
إلى مقام التنزيه ، وأخرى من حيث صورهم الموجبة للتشبيه إلى مقام التشبيه .
( وما جمع في الدعوة بينهما مثل ( ليس كمثله ) فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان
فزادهم فرارا ) . معناه ظاهر ، وقد مر تقريره أيضا .
( ثم قال ، عن
نفسه إنه دعاهم ليغفر لهم لا ليكشف لهم ، وفهموا ذلك منه ،
صلى الله عليه وسلم ، لذلك جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ، وهذه كلها
صورة الستر التي دعاهم إليها ، فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك ) . أي ، أخبر عن
نفسه كما قال : ( إني دعوتهم لتغفر لهم ) . فدعاهم ليغفر لهم الحق ، وما دعاهم
ليكشف لهم حقيقة الأمر ، والمغفرة ، الستر والإخفاء . فلما فهموا مقصوده ،
أجابوا دعوته بمثل ما دعاهم به من الستر ، فجعلوا أصابعهم في آذانهم ، أي ،
ما قبلوا دعوته بالسمع والإطاعة بالقول . واستغشوا ثيابهم ، أي ، طلبوا الاستتار
بثياب وجوداتهم وحجب إنياتهم واستتار صفاتهم ، لتظهر غيرة الحق فتفنيهم عن
وجوداتهم ويستر في ذاته لذواتهم ، واستتروا بالثياب المعهودة لقصور فهمهم عما
أشار إليه نوح ، أو الاستهزاء به مع فهمهم المقصود .
( ففي ( ليس كمثله شئ ) إثبات المثل ونفيه . وبهذا قال عن نفسه ، صلى الله
عليه وسلم ، أنه أوتى جوامع الكلم ) . ( أنه ) بفتح الهمزة ، إذ قال عن نفسه .
معناه : أخبر عن نفسه .
( فما دعا محمد ، صلى الله عليه وسلم ، قومه ليلا ونهارا ، بل دعاهم ليلا في نهار
ونهارا في ليل ) . أي ، جمع الله للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، في قوله : ( ليس
كمثله شئ ) بين الإثبات للمثل وبين نفيه في آية واحدة ، بل في نصف آية .
و ( بهذا ) أي ، بسبب هذا الجمع بين التشبيه والتنزيه ، كما قال صلى الله عليه
وسلم : ( أوتيت جوامع الكلم ، أي ، جميع الحقائق والمعارف . ولهذا جمع القرآن
جميع ما أنزل من المعاني التي في كتب الأنبياء ، عليهم السلام . فدعا ، صلى الله
شرح فصوص الحكم — صفحة 518
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥١٨