بالدعوة الروحانية ، ونهارا ، أي في الشهادة والظاهر بالدعوة الحاصلة بالقوى
الجسمانية . ( فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) من قبول الوحدة وشهود الحق المطلق
الظاهر بصور الكثرة .
( وذكر نوح عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة
دعوته ) أي ، لما علموا أن إجابة دعوته واجبة عليهم ، تصامموا وسدوا أسماع
قلوبهم بعدم القبول لقوله ، كما قال : و ( جعلوا أصابعهم في آذانهم ) .
( فعلم العلماء بالله ما أشار إليه نوح ، عليه السلام ، في حق قومه من الثناء عليهم
بلسان الذم ) . أي ، علم الراسخون في العلم بالله وأسمائه وصفاته الذين هم
أصحاب الكشف والشهود ، معنى ما أشار إليه نوح ، عليه السلام ، في حق قومه
سرا بلسان الذم من حيث صورة الشريعة ، وهو الثناء عليهم في الحقيقة . وذلك
لأنهم قبلوا دعوته بالفعل لا بالقول : فإنه دعاهم إلى الاسم الظاهر ، وهو عالم
الملك ، ثم إلى الاسم الباطن ، وهو عالم الملكوت ، ثم إلى الفناء في الله ، ذاتا
ووجودا وصفة وفعلا ، كما مر تقريره آنفا ، ولم يف استعدادهم بالترقي إلى هذا
الكمال ، فسدوا آذانهم من إجابة دعوته مكرا منهم وحيلة ليدعو عليهم
بظهور الحق بالتجلي الذاتي بصفة القهارية ، فيحصل لهم الكمال المدعو إليه
بلسان نبيهم بإجابة دعائه ، فدعا عليهم وأوصلهم بكمالهم رحمة منه عليهم في
صورة النقمة . كما يشاهد اليوم فيمن ابتلى بأمر منهي لا يقدر على استخلاص
نفسه من تلك الخصلة الذميمة ، ويحصل له الملامة بسببها كل حين ، أنه يطلب
من الحاكم إفناء نفسه بلسان قاله وحاله ليخلصه منها . وهذا حال العارفين من
أمته . وأما حال المؤمنين المحجوبين منهم والكافرين به فأيضا كذلك ، وإن لم
يعرفوا ذلك . فإن كل أحد له كمال يليق باستعداده . والنبي رحمة من الله إلى أمته
يوصل كلا منهم إلى كماله ، لذلك دعا عليهم جملة . والشيخ ( رض ) نزل الآيات
كلها بما يليق بحال الكمل المهديين منهم ، لأنهم هم الأناسي في الحقيقة لا غير .
( وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان ، والأمر قرآن لا فرقان ) .
أي ، وعلم نوح ، عليه السلام ، أنهم إنما لم يجيبوا دعوته بالقول لما فيها من
شرح فصوص الحكم — صفحة 515
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥١٥