عليه وسلم ، قومه إلى الظاهر في عين الباطن ، وإلى الباطن في عين الظاهر .
وهو المراد بقوله : ( ليلا في نهار ونهارا في ليل ) . أو إلى الوحدة في عين
الكثرة ، وإلى الكثرة في عين الوحدة . و ( ما دعا ليلا ونهارا ) أي ، إلى الغيب والوحدة وحده ،
وإلى الشهادة والكثرة وحدها .
( وقال نوح في حكمته لقومه : ( يرسل السماء عليكم مدرارا ) وهي المعارف
العقلية في المعاني والنظر الاعتباري و ( يمددكم بأموال ) أي بما يميل
بكم إليه . فإذا مال بكم إليه ، رأيتم صورتكم فيه ) . اعلم ، أن السماء في الحقيقة عالم الأرواح ،
والأرض عالم الأجسام . ولا يفيض من عالم الأرواح إلا الأنوار الملكوتية والمعارف
العقلية الموجبة للكشف واليقين ، ليعتبروا بما حصل لهم ما لم يحصل ويؤمنوا بالحق
وكمالاته بما أفاض عليهم من آياته . فلما كان الأمر كذلك ، أشار نوح إلى قومه
وبين حكمة ما دعاهم إليه بقوله : ( يرسل السماء عليكم مدرارا ) . أي ، يرسل
الحق عليكم من السماء المعارف العقلية والعلوم الحقيقية ، ويعطيكم النظر
الاعتباري في الأشياء ، ليستدلوا بوجودكم على وجود الحق ، وبوحدتكم على
وحدته ، وبذواتكم على ذاته ، وبما في عالم الشهادة ، من الموجودات والكمالات ،
على ما في الغيب من العقول والنفوس وكمالاتهم . ويمددكم بأموال ، أي ،
بتجليات حبية وجواذب جمالية ، ليجذبكم إليه ، ويوصلكم إلى مقام الفناء فيه ،
ويتجلى لكم بالتجلي الذاتي ، وعند هذه التجلي تشاهدون أعيانكم في مرآة الحق .
وإنما فسر ( الأموال ) ب ( ما يميل بكم إليه ) تنبيها على أن ( المال ) إنما سمى مالا لميل
القلوب إليه . وضمير ( فيه ) راجع إلى ما يرجع ضمير ( إليه ) وهو ( الحق ) .
( فمن تخيل منكم إنه رآه ، فما عرف ، ومن عرف منكم إنه رأى نفسه ،
فهو العارف . فلهذا انقسم الناس إلى عالم وغير عالم ) . ( الفاء ) للتعقيب . أي ، بعد
أن رأى صورته في الحق من تخيل منكم أنه رأى الحق ، فما عرف ، لأن ذاته ، من
حيث هي هي ، لا يمكن أن ترى . والرؤية إنما تحصل عند التنزل والتجلي بما يمكن
أن يرى ، كما قال ، صلى الله عليه وسلم : ( سترون ربكم كما ترون القمر ليلة
البدر ) وشبه برؤية القمر . ومن عرف منكم أنه رأى نفسه وعينه ، فهو العارف
شرح فصوص الحكم — صفحة 519
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥١٩