بالحقيقة . والآخر ليس بعارف كامل مع أنه من أهل الكشف والشهود ، كما مر في
( الفص الشيثي ) .
( و ( ولده ) وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري ، والأمر موقوف علمه على
المشاهدة بعيد عن نتايج الأفكار إلا خسارا ) . إشارة إلى قوله تعالى : ( قال نوح ،
رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ) . أي ، إنهم عصوني ولم
يقبلوا منى ما يوجب المشاهدة والعيان ، واتبعوا عقولهم ونظرهم الفكري الذي
( لم يزده ماله ) وهو علومهم العقلية ، و ( ولده ) وهو نتايجهم الحاصلة من تركيب
قياساتهم العقلية ، ( إلا خسارا ) أي ، ضياعا لرأس ما لهم من العمر
والاستعداد . وذلك لأن المقام مقام المشاهدة وهو فوق طور العقل ، والعقل بفكره
ونظره لا يصل إليه . فمن تصرف فيما جاءت الأنبياء به بعقله أو اعتقد أن الحكماء
والعقلاء غير محتاجين إليهم ، فقد خسر خسرانا مبينا .
( ( فما ربحت تجارتهم ) فزال عنهم ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك
لهم ) . أي ، ما حصل لهم في هذه التجارة إلا ضياع العمر والاستعداد . فإنهم
أفنوا رأس ما لهم فيما لا يمكن حصوله لهم ، فزال عنهم ما كان في أيديهم من
الاستعداد والآلات التي يمكن بها أن يعبدوا الحق ويتبعوا الأنبياء ليحصل لهم
الكشف عن حقيقة الأمر . وكانوا يتخيلون أن ذلك ملك لهم ، وما عرفوا أنه
مستعار عندهم وملك للحق وسيرجع إليه . وأزال عنهم علم ما كان في نفس
الأمر ، لأنهم يتخيلون أنهم أدركوا الحقائق على ما هي عليه في نفس الأمر بعقولهم
الضعيفة ونظرهم الفكرية ، وحسبوا إنهم ملكوها وليس الأمر كذلك ، فزال
عنهم وفات علم الحقيقة .
( وهو في المحمديين ) أي ، ما كان في أيديهم من الملك هو ملك الله كما جاء
في حق المحمديين ، أو علم الحقيقة وانكشافها على ما هي عليه لله ، كما جاء في
حق المحمديين : ( ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) . ) فأثبت الملك لنفسه ،
وجعل المحمديين خلفاء عليه ، وأمر بالإنفاق والتصرف تصرف الخلفاء في ملك
المستخلف . ( وفي نوح : ( ألا تتخذوا من دوني وكيلا ) . فأثبت الملك لهم والوكالة لله
شرح فصوص الحكم — صفحة 520
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٢٠